يلفتك في كلام السفير الروسي في لبنان الكسندر زاسبيكين عن الوضع في سوريا والإرهاب ترديده لمصطلح "ظاهرة داعش"، وكأن الديبلوماسي المخضرم والخبير في أمور المنطقة وتعقيداتها، وهو الذي يُتم عامه الخامس في لبنان في تشرين الثاني المقبل، لا يؤمن بهوية محددة للإرهاب "الداعشي"، بل يرى فيه مظلة واسعة يختبئ في ظلّها اكثر من جهة وفريق، والكل متساوٍ في جبهة الشر التي تحاربها روسيا.
يسلسل المحطات والتطورات التي أدت تدريجيا الى اقتناع روسي بالتدخل ميدانيا في سوريا لمكافحة الإرهاب، فيعتبر وصول الوحدات العسكرية الروسية الى سوريا استكمالا لسياسية بلاده وتطورا منطقيا في هذه المرحلة من النزاع. فالتعاون الأمني العسكري قائم بين روسيا وسوريا منذ عشرات السنين؛ وأما سياسيا، فلم تنفك روسيا يوما عن العمل من اجل حلّ سلمي بين السلطة والمعارضة، وقد ساهمت بمبادرات عديدة في هذا الاتجاه، سواء في الامم المتحدة، او في مجالس دولية حول سوريا مثل مؤتمرات جنيف، او حتى من خلال جهود فردية أدّت الى اجتماعات موسكو1 وموسكو2 بين السلطة والمعارضة.
وبحسب السفير الروسي، فان خطورة الإرهاب المتفاقمة باتت تستدعي توحيد الجهود لمواجهة هذه الظاهرة وضربها، قبل الضلوع في اي موضوع آخر في سوريا، "اذ وصلنا الى مرحلة أصبحت فيها "ظاهرة داعش" هي المسيطرة ميدانيا وتهدد الجميع". والتحالف الذي أُسّس برئاسة الولايات المتحدة ومشاركة بلدان الخليج غير فعال بصيغته المطروحة، اذ لا يمكن ان تترأس هكذا تحالف اي جهة غير الامم المتحدة، كما انه لا يمكن استثناء دولة سوريا وجيشها النظامي من أي جبهة لمحاربة الإرهاب. ومن هنا كان اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توسيع هذه الجبهة. وجاءت المشاركة الروسية على هذا الأساس وهي تهدف الى تأمين التنسيق بين الضربات الجوية والبرّية ضدّ الإرهاب بالتعاون التام بين الجميع.
وأما في ما يتعلّق بتصنيف الإرهاب، فيقول زاسبكين ان هنالك فئات مصنّفة دوليا بالإرهابية، ومنها "داعش" و"النصرة"، ومن السهل التركيز عليها وتوحيد الجهود ضدها. ولكنه يضيف ان الأسماء والمصطلحات قد تتغير بين جماعة ارهابية وأخرى، ويبقى الأساس هو تصرفات هذه الجماعات، فالذي يقتل رهائن مثلا، لا يهم بإسم من ينفّذ جريمته؛ وعليه يجب التفاهم على تحديد المصطلحات.
"الثوار"
وفيما يتعلق ب"الثوار"، وهي مجموعات تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها ان نضالها ضد نظام الاسد شرعي، وعلى رأسها الجيش السوري الحر، فيقول زاسبكين انه حتى ولو كان هدف هؤلاء التغيير السياسي في سوريا، فان لجوءهم الى السلاح لتلبية هذا المشروع غير مقبول، فهم بالنتيجة "مجموعة غير نظامية تحارب النظام الشرعي". "ويقول الآخرون ان النظام القمعي هو الغير شرعي، ولكن من أين لهم الحق بخلع الشرعية عن اي نظام او إضفاء هذه الصفة علي الجهات التي يدعمونها؟" وعلى اي حال لا بدّ لأي معارضة من ان تكون سياسية، بالمعارضة المسلحة غير شرعية. وهذه نقطة خلاف مهمة يجب التوصل الى اتفاق حولها. ويقترح زاسبكين على الجيش السوري الحر الذي يدّعي تارة محاربة الإرهاب وطورا جيش النظام، ان ينضمّ الى معركة الجميع ضدّ الإرهاب اولا ومن ثم يلجأ الى المعارضة السياسية لتغيير النظام او ما يراه غير ملائم فيه.
ويتطرق السفير الى المصالح الروسية من التواجد في سوريا، فيقول ان الهدف الروسي هو اولا وآخرا العمل الموحّد ضدّ الإرهاب، مؤكدا ان كل الأحاديث عمّا تبغيه روسيا لا قيمة له مقارنة مع هذا المشروع. فالارهاب خطر على الجميع، اذ غالبا ما نسمع عن اعداد وجماعات من شتى أنحاء العالم قد انضمّت الى المنظمات الإرهابية، وكل هذه المجموعات سوف تعود يوما ما الى وطنها لتزرع الإرهاب فيه، وهذا ما يريد تجنبه بوتين، مما يستدعي نسف الإرهاب من أساسه دون تلكؤ ولا تأخير.
ويرى زاسبكين ان القدرات الدولية لضرب الإرهاب هائلة في ظلّ تحالف جدّي، ولكن المنافسة الدولية والإقليمية ما زالت تتقدم على الإرادة الفعلية لإنجاز هذا الهدف، داعيا الجميع لوضع جانبا الخلافات والحسابات التنافسية والمذهبية للمضي قدما في هذه المهمة.
إعادة التوازن
وعن الاعتقاد السائد بأن ما تسعى اليه روسيا فعليا هو تحصين قاعدتها البحرية في طرطوس فهو، بحسب السفيرالروسي، تبسيط للوقائع، فهنالك مئات القواعد الأميركية في البحر الأبيض المتوسط، بينما وجود روسيا فردي. وهذا لا يمنع ان روسيا تسعى الى اعادة توازن بصورة عامة مع الولايات المتحدة، "فنحن نريد التحدث مع الولايات المتحدة على قدم المساواة." ويشير زاسبكين إلى ان الادارة الأميركية هي التي تطمح الى تعزيز هيمنتها السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط كما في أوروبا، مذكرا بتوسيع مروحة دول الناتو لتشمل بعض بلدان الاتحاد السوفياتي السابق وتسليحها على هذا الأساس، "وهم الذين شجعوا على اندلاع ثورات ملونة في أوروبا وخصوصا في الشرق الأوسط حيث يحاولون رسم خريطة جديدة على أساس طائفي، اذ يعتبرون ان التعامل مع دويلة طائفية اسهل، بينما نحن ثابتون على موقفنا المؤيد للدول الموحدة".
وأما في ما يتعلق بالموقف الروسي من الاسد تحديدا، يأخذ زاسبكين على الآخرين تركيزهم على الأشخاص لتحقيق أهدافهم بينما الرئاسة هو شأن داخلي. وما تسعى اليه روسيا هو البحث مع الأميركيين، لا بالأشخاص، بل بقواسم مشتركة لحلّ في سوريا مبني على مبدأ الحفاظ على المؤسسات وعلى الجيش النظامي ، ومحاربة الفوضى والإرهاب، والتشجيع على حوار داخلي يكون لاحقا منفذا للتغيير اذا وُجب. وبالاجمال، روسيا غير متمسكة بشخص بشار الاسد، ولكن لن نستبق الامور ولن نُجرّ الى بحث هذا الموضوع، فهم يريدون منا وعدا في هذا الإطار يعتبرونه موقفا روسيا مسبقا، وهذا لن يحصل أبدا خاصة ان اي كلام في هذا الاتجاه لا بدّ من ان يؤثر على الشعب السوري". وهل من بديل للأسد؟ هنالك دائماً بدائل ولكن هذا خارج الموضوع.
ويشير الدبلوماسي من جهة اخرى الى نسيان القضية الأساس في المنطقة، اي عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مؤكدا ان بلاده مستعدة للعودة الى هذا الموضوع والمساهمة في إيجاد حلّ له.
وأما في ما يتعلق بالشأن اللبناني الداخلي، فيقول زاسبكين ان بعض اللبنانيين مقتنعون بضرورة البحث عن حلّ سريع لملف الرئاسة قبل الانتهاء من صراعات المنطقة، وهذا منطقي، ولكن لا تحرك عمليا نحو تطبيق هذا السيناريو. حتى الساعة، لا نلاحظ ان أعباء الفراغ الرئاسي يتقدّم على الاعتبارات الداخلية في هذا الموضوع. وعلى الجميع تشجيع الحوار الذي يجب ان يستمر من دون تشاؤم وحتى لو اعترضته عراقيل ومشاكل، لعل المطاف ينتهي باتفاق على رئيس، وإلا فسيبقى هذا الملف عالقا وقد يكون آخر البنود في حلول المنطقة. وعلى اي حال، ومهما آلت اليه التطورات في سوريا، فلا بدّ من رئيس في لبنان يؤمن بعلاقات جيدة مع الدولة السورية كائنا من كان رئيسها.
أخيراً، هل يقفل زاسبكين عائدا الى روسيا متى اطبق السنوات الخمس من الخدمة في لبنان، وهي مدة لا يستهان بها في الروزنامة الدبلوماسية؟ يقول السفير ان لا بدّ من العودة الى الموطن بعد هذه الفترة حيث النظرة بتجرد الى المور اسهل، ولكن لا قرار محدّد حتى الساعة من موسكو في هذا الشأن.