"التقدم السلحفاتي" الذي حققته هيئة الحوار الوطني في نسختها النيابية الجديدة في ساحة النجمة الذي أشار اليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري في الإتصال الهاتفي مع المكلف من الأمين العام للأمم المتحدة مواكبة تنفيذ القرارين 1559 و1701 تيري رود لارسين أوحى بالكثير لمن أراد أن يكون واقعياً أن يفهم التوصيف الدقيق للرئيس بري بما فيه من "تشاؤل"، وأبلغ ما فيه أن الانتقال السلحفاتي من ساحة النجمة الى عين التينة، بعدما اقترح رئيس "الكتائب" سامي الجميل على الرئيس بري نقل المناقشات اليها منعاً لإقفال الوسط التجاري، يستلزم الكثير من الوقت.
والى حينه، لم تعد المكابرة تجوز عند البحث في مصير هيئة الحوار الوطني. فالحديث عن مصيرها بعد الجدوى منها على كل لسان ومن كل الأطراف المشاركة فيها. فليس هناك من يعتقد صادقاً أن الهيئة ستنتج شيئآ ما سواء توقفت عن العمل أو إستأنفت إجتماعاتها. بدليل انها لم تناقش ملفاً ووصلت الى خواتيمه حتى تلك التي راهن البعض على أن مجرد إجتماعها بكامل نصابها على طاولة واحدة يمكن أن يوفر حلاً لمشكلة آنية أو ظرفية على الأقل، لكنها لم تفعل.
ويصر أصحاب هذه النظرية على أن الحديث في هذا الشق لا يحتاج الى الكثير من التفسير والتحليل. فالإجماع الذي تحقق حول ملف النفايات مثلاً لم يجد نفعاً الى اليوم والدعم الذي لقيته الحكومة من الطاولة ومن عليها من دون إستثناء يتبخر يومياً، وإذا بالعقد التي تواجه هذا الملف من صنع أطرافها وهم متورطون الى العظم في بناء العراقيل أمام الخطوات التنفيذية لها كما أقرت في مجلس الوزراء.
والأمر نفسه ينسحب على ملفات أخرى منها ما يتصل بكيفية مواجهة الحراك الشعبي. فالمواقف منه على إجماعها العلني ليست في الواقع هي نفسها. فهناك من يبرر لهم أعمالهم وممارساتهم ولم يجمعوا يوماً على مقاربة الملفات التي ينادون بها بالآلية التي يمكن ان تنتج حلاً لأي من الملفات الإدارية والبيئية والأمنية والإجتماعية المطروحة على أكثر من صعيد وصولاً الى السعي لإحياء العمل الحكومي والدور التشريعي لمجلس النواب.
وعلى هذه الخلفيات، هناك من يقول ان من راهن على أن تعطي طاولة الحوار أكثر مما أعطته حتى اليوم هو واهم. ولعل من نظمها ودعا اليها لم يتوان في العديد من المناسبات عن التأكيد على أهميتها، لكنه وفي قراراة نفسه يعتقد أنه يمكن ان تكون قد أدت الى اليوم الهدف منها. فقد وفر بري الإطار المناسب في الوقت المناسب لسحب اي نوع من أنواع الحوار من الشارع ووضعه في هذا الإطار على أمل أن تنجز شيئآ ما. لكنها وإن لم تنتج ما أراد فهو يعرف ما حققته في مرحلة كانت هي الأخطر.
فالأجواء المشحونة في البلد على خلفية الأحداث السورية وفي اليمن وبعد أحداث "منى" في مكة المكرمة وجدت من يخفف منها عندما عكفت الهيئة على مواجهة هذه الملفات، وإن لم تصل الى النتائج المرجوة منها. فقد استوعبت ردات الفعل عليها وابقتها في نطاق محدود للغاية. كما خففت من حدة التشنج في الشارع وعبر وسائل الإعلام في أكثر من مرحلة وبررت له الرعاية الدائمة للحوار السني – الشيعي المتمثل بحوار عين التينة بين "حزب الله" و"المستقبل"، وقد انجز الكثير مما هدف اليه.
وبناء على ما تقدم فقد اوحت التطورات الأخيرة التي اعقبت الفشل في ترتيب المخارج لملف الترقيات والتعيينات العسكرية كما أرادها العماد ميشال عون بان الهيئة باتت في مدار الخطر الشديد. فالغموض الذي يلف مواقف العماد عون من كل ما يجري ستنعكس على طاولة 26 الشهر الجاري، خصوصا إذا مضى في تصعيده. فهو لم يبلع بعد ما آلت اليه قضية الترقيات وما يشكو منه من حصار يرغب في ان يسميه "حصارا كونيا" عليه، وهو ما رسم علامات إستفهام كثيرة حول مصير الهيئة، وهو من بدأ بالتغيب عن جلساتها الأخيرة الماراتونية. فهل يمضي الى النهاية في تصعيده ومقاطعته لها ام ان في الأفق ما يدعو الى التريث فيعض على الجرح مرة أخرى.
المتفائلون باستئناف هيئة الحوار قلائل والمتشائمون كثر وما على الباقي سوى الإنتظار الى ان يظهر الخيط الأبيض من الأسود.