منذ سنوات، لم تشهد مدينة طرابلس حشداً نخبوياً وشعبياً كالذي شهدته مساء أمس في تكريم شخصية وطنية قامت، على مدى نصف قرن، برعاية من لا رعاية لهم، و لأنّ الله أدرى بعباده من أم الفراخ بفراخها، سخّر لهم مؤسسة راعية للأيتام باتت صرحاً من صروح الخير وسخّر على رأسها رجلاً متفانياً يسعى للخير ويفعله بقلب ينبض بالمحبة وبعقل منفتح على التطور.
ولأنّ الرجل كبير جاء التكريم كبيراً من شخصية إنسانية و كريمة وتدرك وتنفذ قول نبي الإسلام: كلّ الناس عيال الله وأحب خلقه اليه أنفعهم لعياله. جاء التكريم بمبادرة من الرئيس نجيب ميقاتي ليؤكّد من خلاله أنّ الناس واللبنانيين وأبناء طرابلس تحديداً هم عنوان وفاء لأهل الخير و لدعاة الحق حيثما كانوا ومن أين ما أتوا ومن من خدموا.
العلامة الفارقة الأولى إذن كانت بالحضور الذي غصّ بها مسرح مجمع العزم حتى مُلئت المقاعد وبقاء جمع لا يستهان به وقوفاً على رغم طول مدة الإحتفال.
العلامة الفارقة الثانية كانت بخطاب مرتجل ومحبوك لسماحة مفتي الجمهورية، الذي وجه الرسالة تلو الرسالة عن دور الإسلام ووسطية الإسلام وتعارض فكرة الإسلام عمقاً مع الإرهاب، وعن تعويله على مدينة طرابلس وأهلها للعب دور ليس على مستوى الشمال اللبناني فحسب بل على مستوى الوطن، مدللّاً بوضوح على إمكانية لعب رجالها ومشايخها ومفتيها وسياسيها دوراً كبيراً على هذا المستوى. وقد خَصّ صاحب الدعوة بالتأكيد على دوره المحوري في لبنان لمصلحة اللبنانيين والمسلمين.
العلامة الفارقة الثالثة، أنّ الرئيس نجيب ميقاتي شخصياً هو من دعا للوقوف دقيقة صمت عن أرواح شهداء برج البراجنة.
العلامة الفارقة الرابعة، أنّ الدعوة للمصالحة الإسلامية - الإسلامية والسنية - السنية جاءت من الفيحاء على لسان نجيب ميقاتي الذي قال نحن دعاة حوار بين الجميع ونؤيد أي حوار يأتي بين متخاصمين فكيف بين أبناء البيت الواحد. يدنا ممدودة لأيّ لقاء أو حوار وتلاق، معولاً على مفتي الجمهورية للعب دور ليس سنياً أو وطنياً فحسب بل دور على مستوى الأمة التي يتأثر مسلموها بعضهم ببعض.
العلامة الفارقة الخامسة، رفض الخطباء العنف والغلو والتعصب رفضاً مطلقاً ودعم اجهزة الدولة الأمنية كلّها.
و لعل العلامة الفارقة الأخيرة تكمن في دعوة المكرم محمد بركات لإطلاق منتدى طرابلس، يشبه منتديات دولية، ويستقطب شخصيات من كلّ العالم تعمل في شتى الحقول الإقتصادية والسياسية والأدبية والفكرية وما شاكل. فمن في العالم لم يسمع "بمنتدى دافوس" ولماذا لا يكون لنا في لبنان "منتدى طرابلس".
مع هذه الفكرة تكون العلامات الفارقة قد اكتملت في صرح قيد البناء والإكتمال، صرحٌ يلاقي صروح العلم في لبنان من مدينة العلم و العلماء طرابلس.