في زمن الأعياد يتذكر كلّ منّا المساحات الإنسانية، أكبر هذه المساحات، تلك التي يمنحها مركز سرطان الأطفال "سانت جود" في بيروت بالشراكة مع مستشفى الجامعة الأميركية، هي مسيرة حياة وصراع مستمر مع السرطان من أجل البقاء. هناك تبقى الطفولة الإستحقاق الأسمى، لأجلها يسخّر بعض الخييرين امكاناتهم وأوقاتهم ليساندوا أجساداً طرية العود، باغتها أكبر الأمراض شراسة، وهي في ربيعها، لتبدأ معركة من نوع آخر، في ميدانها طفل مصاب يتسلح بجرعات من الأمل وفريق من أكفأ الأطباء لمحاربة السرطان، وفي نهاية المعركة أحدهما سيكون منتصراً.
كلّ منا معني بمساندة هؤلاء الأطفال في هذه المواجهة. الأمل كبير والإنتصارات التي يسجلها مركز سرطان الأطفال واعدة، مع نسبة شفاء لامست الـ 88 %، حيث أنقذ المركز منذ تأسيسه في العام 2002 نحو 1150 طفلاً، هم اليوم يتابعون حياتهم بعدما كُتب لهم عمر جديد، بحسب ما أكّدت مديرة المركز السيدة هناء الشعار شعيب لـ"لبنان 24"، لافتة إلى أنّ نسبة الشفاء الأعلى ُتسجل في اللوكيميا. مضيفة أنّ المركز قدّم 4 آلاف استشارة منذ انطلاقه. ففي الحالات التي يعجز فيها عن استقبال كافة المصابين، بحسب قدرته الإستيعابية، يساعد هؤلاء الأطفال عبر إجراء كلّ الفحوصات اللازمة والتشخيص الأوّلي والإستشارات الطبية، لأنّ دقّة التشخيص تساهم في رفع نسبة الشفاء، ومن شأنها أن توجه المريض وتضعه على السكة العلاجية الصحيحة. هذه الفحوصات وكذلك معالجة مرضاه من الألف إلى الياء هي مجانية بالكامل، وعلى نفقة المركز الذي يغطي كلّ التكاليف بما فيها العلاج الذي يتناوله المريض في منزله، مستنداً في مداخيله إلى التبرعات فقط .
نورا جنبلاط: لتوسيع قدرة المركز
ومع تزايد نسبة إصابة الأطفال بالمرض، والتي وصلت في لبنان إلى 350 حالة سنوياً، تكبر التحديات أمام المركز في متابعة رسالته ومعالجة الأطفال حتى عمر 18 سنة. من هنا تضع رئيسة المركز السيدة نورا جنبلاط في أولويات عملها، توسيع قدرته الإستيعابية. جنبلاط التي عملت كرئيسة لجنة التواصل في المركز، والمسؤولة عن هيئة المناسبات في مجلس الأمناء المكون من 50 شخصاً، تسلمت مؤخراً مهماتها كرئيسة للمركز وعبر "لبنان 24"، لفتت إلى أنّ أبرز التحديات التي تواجه عمل المركز "هي الإستمرار بدوره الرائد والمحافظة على المستوى الطبي الرفيع الذي هو عليه الآ ، وذلك بتوفير الدعم المادي له". وكون المركز يعتمد في عمله على توفير الميزانية التي تصل إلى 15 مليون دولارسنوياً، من خلال التبرعات فقط، أكدت جنبلاط "أن المجتمع اللبناني مدرك لأهمية معالجة الأطفال المصابين بمرض السرطان، وهو الداعم الأساسي للمركز بنسبة تتخطى السبعين بالمئة أحياناً".
وعن دورها الجديد قالت "إن هذا المنصب يحمّلني مسؤولية كبيرة في إتمام مهمة المركز، لتأمين العلاج للأطفال المصابين، وذلك إلى جانب الهيئة التنفيذية والإدارية طبعاً التي تبذل جهوداً كبيرة. نطمح لتوسيع قدرة المركز من أجل إستيعاب أكبر عدد ممكن من الأطفال، وتوفير أحدث سبل العلاج ، لأنّه حقاً مركز الإمتياز والأمل".
في 12 نيسان المقبل يكمل المركز عامه الرابع عشر من مسيرة العطاء، بعدما حفل سجلّه بحكايات الألم والأمل، ومساعدة المركز للطفل المصاب لا تتوقف عند انتهاء علاجه، "فالمركز لا يتخلى عن مرضاه الذين استكملوا علاجهم، لحاجتهم على مدى خمس سنوات إلى متابعة وفحوصات دورية، كلها يقدّمها مجاناً". واستقبال طفل جديد رهن بتوفر الأموال لتغطية العلاج كاملاً. من هنا تبرز حاجة المركز إلى الوعي الجماعي لدى كافة شرائح المجتمع بأهمية أن يشارك كلّ فرد بهذه المسؤولية، وفقاً لقدراته ، فالقليل من شأنه أن يحدث فرقاً كبيراً، ولا سيما أن كلاً منا معرض، ولا تكفي عبارة "الله لا يجربنا"، أو"الله يبعدو عنا" التي نقولها تلقائياً، في هذه الحالات. من هنا ابتكر المركز سلسلة برامج على مدار السنة لدعمه، تتناسب مع قدرات جميع الفئات الإجتماعية. وتكفي زيارة الموقع الإلكتروني للمركز: www.cccl.org.lb ، للإطلاع على سبل دعمه. من الوسائل المستحدثة لجمع التبرعات شراء بطاقات لسحب اليانصيب الخيري "home sweet hope"بقيمة 100 $ للبطاقة الواحدة، تحت إشراف مديرية اليانصيب، يعود ريعها لدعم جهود المركز في علاج الأطفال، على أن يحصل الفائز بالسحب على "بيت الأحلام"، في مار تقلا - الحازمية بمساحة 170 متراً مربعاً، ولمشاهدة الشقة يمكن زيارة الموقع الإلكتروني المذكور. وتجدر الإشارة إلى أنّه تمّ إجراء سحب مماثل قبل سنتين مباشرة على الهواء، أدى إلى فوز إحدى المشاركات بمنزل في قرية "بيت مسك".
أزمة النازحين السوريين ألقت بثقلها أيضاً على "السان جود"، وعنها قالت شعيب "نعم النازحون شكلوا أزمة، تجاوبنا معها منذ العام 2011، وإن بامكانيات محدودة. في العام 2013 استقبلنا 27 طفلاً من النازحين المسجلين رسمياً. نستقبل مصابين من كافة الجنسيات، وإن ليس بالنسبة نفسها التي نستقبل فيها لبنانيين. فالمريض اللبناني لديه جهات ضامنة تساند المركز بجزء من النفقات ، يفتقد إليها غير اللبناني ،فتقع على كاهل المركز في هذه الحالات مسؤولية تغطية كافة نفقات العلاج".
أخصائيون لوهب الأمل
المركز لا يقدم العلاج الطبي فقط أنّما يقرنه بخدمات نفسية واجتماعية، من قبل أخصائيين ومتطوعين يعاونون المريض وأهله على تخطي تلك المرحلة الصبعة، وعلى جعله يتجاوب بشكل أفضل مع العلاج، ويرسمون البسمة على وجوه الأطفال عبر وسائل التسلية والترفيه المتعددة التي يتيحها المركز. للموسيقى أيضاً دورها في المركز، فما على المريض سوى أن يختار الآلة الموسيقية التي يرغب بتعلم العزف عليها لتبدأ الصفوف الممتعة.
أمّا المرضى الذين يتغيبون عن المدرسة في هذه الفترة لضرورات العلاج، فتوضح شعيب "يتابعهم فريق من الأساتذة المتقاعدين .كما أنّ المركز معتمد منذ 10 سنوات من وزارة التربية كمركز رسمي لتقديم الإمتحانات الرسمية، حيث تحصل الامتحانات في توقيتها المحدد داخل المركز، مع كامل الإجراءات والمراقبة المعتمدة في المراكز الرسمية، ويزورها وزير التربية. ونسبة النجاح وصلت فيه إلى 100%، حيث فاز هذا العام سبعة طلاب في البريفه وعشرة في البكالوريا. ينظم المركز حفل تخرج للطلاب في اوائل أيلول".
أبرز الصعوبات التي تواجه المركز، الأزمات التي يعيشها البلد، ومنها الإقتصادية، التي من شأنها أن تخفض نسبة التبرعات، كما حصل بين عامي 2006 و2007 حيث عجز المركز عن جمع الميزانية المطلوبة فقلّص عدد الأطفال المصابين الجدد، علماً أن تكلفة علاج المريض الواحد تصل إلى 50 ألف دولار. في السنوات الأخيرة عمد المركز إلى توسيع دائرة المتبرعين، فتوجه إلى عامة الجمهور انطلاقاً من التبرع بدولار واحد من خلال الرسائل الهاتفية، وغيرها من البرامج التي يقدّم الموقع الإلكتروني للمركز شرحاً مفصلاً عنها.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل، هذه الفسحة أنتم تمنحونها أو تحجبونها عن أطفال يصارعون السرطان، فكونوا مُخلصين لقضية أطفال "السان جود"، ولرسالة المؤسس الأميركي اللبناني الأصل داني توماس، الذي وفى بوعده بنقل رسالة "السان جود" إلى وطنه الأم مترجماً قوله المأثور "لا يجوز أن يموت طفل في فجر الحياة ".