لا شكّ في أنّ الهدف الأول والأخير من الصوم مرتبط بالشقّ الروحي، لكن هذا لا يعني أنّ تأثيره لا يُطاول أيضاً الصحّة، خصوصاً عندما يتمّ الامتناع عن تناول بعض الأصناف الغذائية التي تزوّد الجسم بمواد أساسية له. إذاً ما هي أبرز الأمور التي يجب الإطلاع عليها والتنبّه لها قبل 3 أيام من بدء الصوم؟يمكن للإنسان أن يتعرّض لمشكلة صحّية أو خلل غذائي خلال فترة الصوم المبارك بسبب غياب التنظيم الجيّد للغذاء بعد قضاء 12 ساعة من دون أكل، أو التوقّف كلّياً عن استهلاك أطعمة معيّنة. غير أنّ نشر الثقافة الغذائية وتسليط الضوء على أهم المعلومات يضمنان حتماً صوماً صحيّاً يخلو من أي ردّات فعل سلبية.
وتعليقاً على هذا الموضوع، قالت اختصاصية التغذية عبير أبو رجيلي إنّ "غذاء الصائم يختلف كلّياً عن نظيره المتّبع سابقاً، إذ يصبح مقيّداً بخيارات معيّنة قد لا يُجيد تنظيمها جيداً، ما يضع صحّته في دائرة الخطر. ومن الشائع جداً خلال هذه الفترة المباركة الامتناع عن اللحوم الحيوانية بشكل خاص، كاللحم الأحمر والدجاج وحتى السمك، إضافةً إلى الألبان والأجبان والحليب والبيض.
وبذلك، تتجه الأنظار أكثر نحو الفاكهة، والخضار، والبقوليات (عدس، فول، حمّص، فاصولياء)، والمكسّرات، والنشويات (خبز، معكرونة، برغل)، والأطباق الخالية من اللحوم، ليصبح بذلك النظام الغذائي الجديد شبيهاً بنظيره النباتي".
وأكّدت أنّ "الأطعمة النباتية مفيدة جداً للصحّة وتزوّد الجسم بجرعات عالية من الفيتامينات، والمعادن، ومضادات الأكسدة، لكنّ المشكلة تكمن في افتقارها أحياناً إلى بعض المغذّيات الرئيسية أو عجز الجسم عن امتصاصها جيداً، ما يزيد خطر الإصابة بمشكلات عديدة مثل فقر الدم، وهشاشة العظام، وفقدان التركيز. من هنا أهميّة التوعية إزاء هذا الموضوع وعرض الحلول الفعّالة والبدائل المناسبة".
لا تُهملوا هذه المواد
وكشفت عن أهمّ العناصر الغذائية التي قد يتدنّى مستواها بشدّة خلال هذه المرحلة، وهي:
• الحديد: يستطيع الجسم امتصاص هذا المعدن بسهولة أكبر وجرعة أعلى من مصادره الحيوانية، غير أنّ هذا ليس الحال مع الأطعمة النباتية. لكن لحسن الحظ، يمكن التغلّب على هذه المشكلة من خلال الاستعانة بالفيتامين C. في حال تناول العدس، أو الفاصولياء، أو أي أنواع من الحبوب الأخرى، يُنصح بأن تترافق مع سَلطة خضار تحتوي الحامض، أو شرب كوب من عصير الليمون الطازج للحصول على الفيتامين C الذي تبيّن أنه يعزّز امتصاص الحديد النباتي الذي يحتاج لمساعدة كي يستطيع الجسم الإستفادة منه إلى أقصى درجة.
• الكالسيوم: بما أنّ عدداً كبيراً من الصائمين يتوقّفون عن تناول مصادره، كالألبان والأجبان والحليب، لا بدّ من تعويضه بأصناف أخرى نظراً إلى أهمّيته لصحّة العظام والأسنان. يمكن على سبيل المثال التركيز خلال هذه الفترة على السردين، والسمسم، وفول الصويا، والخضار الورقية الخضراء، وجبنة التوفو، وبذور دوار الشمس، واللوز، وعصير البرتقال، والبروكولي، والمنتجات الغذائية المدعّمة به.
• البروتينات: من المعلوم أنّ السمك واللحوم الحمراء والبيضاء تزوّد الجسم بجرعة عالية من البروتينات المهمة جداً لبناء الأنسجة، وتعزيز نموّ الجسم، وزيادة الطاقة. في حال الامتناع عن هذه المأكولات خلال الصوم، يجب البحث عن بدائل أخرى تؤمّن هذه المادة الغذائية، كالأفوكا، والحمّص، والكينوا، والتوفو، والفول، والمكسرات، والبذور. كذلك يُنصح، إذا تألّف الطبق من النشويات، كالفاصولياء والأرزّ، أن تكون سمراء للحصول على البروتين الكامل.
• الفيتامين B12: يُعرف بأهمّيته لخلايا الدم الحمراء، والوظائف العصبية، وهو جزء لا يتجزأ من توليف الحمض النووي في خلايا الجسم. وبما أنه متوافر بشكل خاص في اللحوم، والسمك، والبيض، لا بد خلال هذه الفترة من التركيز على الأطعمة المدعّمة به كالصويا، ورقائق الذرة.
وإضافةً إلى هذه البدائل، نصحت أبو رجيلي بـ"التنويع في المغذّيات من خلال عدم الاكتفاء بتناول الطبخة ذاتها 3 مرّات أسبوعياً، إنما الحرص على إدخال مختلف الألوان والأشكال بما أن كلّاً منها يملك خصائص وفوائد ومغذّيات مختلفة"، داعيةً أيضاً إلى "التركيز على مصادر الزنك مثل فول الصويا، وحليب الصويا، والمكسرات، والخبز، والفطر، بما أنّ هذا المعدن يؤدي دوراً مهمّاً في تقوية الجهاز المناعي".
تمسّكوا بنظامٍ متوازن
كذلك، شدّدت على "ضرورة التمسّك بنظام غذائي حتى خلال هذه الفترة. عندما يحين موعد الأكل، يُفضّل تناول الفطور على الساعة 12 ظهراً، يليه سناك خفيف بعد نحو ساعتين. وعند الرابعة عصراً يمكن الحصول على الغداء، ثمّ العشاء عند 8,30 مساءً مُصاحباً بوجبة خفيفة. أمّا في حال تناول الغداء على الساعة 12 ظهراً، يجب تناول ساندويش جبنة أو صعتر عند الرابعة عصراً تفادياً لحذف الفطور.
ومن الضروري الاستمرار في الحصول على 3 وجبات رئيسية ووجبتين خفيفتين حتى خلال الصوم لمنع الشعور بجوع شديد يدفع غالباً إلى تناول أطعمة أكثر، وسعرات حرارية مرتفعة، وأصناف خالية من أي منفعة غذائية".
من ناحية أخرى، لفتت اختصاصية التغذية إلى أنّ "الغذاء السليم خلال الصوم يؤمّن للجسم فوائد صحّية كبيرة، أبرزها خفض نسبة الكولسترول في الدم، وحماية القلب والشرايين، وتقليص نسبة الإصابة بضغط الدم المرتفع نتيجة تقليل تناول الأطعمة الغنية بالملح أو الصوديوم في مقابل تعزيز استهلاك الفاكهة والخضار الغنيّة بالبوتاسيوم.
صحيح أنّ الهدف من الصوم ليس التخلّص من الكيلوغرامات الإضافية، لكنّ الأبحاث العلمية أظهرت أنّ الغذاء المتوازن والمتنوّع خلال هذه الفترة يؤدي دوراً إيجابياً على معدّل الوزن، ويضبط معدّل السكر في الدم لأنه يكون عادة غنياً بالألياف.
وبفضل تعزيز استهلاك حصص الخضار والفاكهة، يحصل الجسم على دُفعة قوية من مضادات الأكسدة التي تقوّي جهازه المناعي، فيتمكّن بذلك من زيادة قدرته على محاربة الأمراض والإلتهابات".
وختاماً، دعت إلى "الصوم بطريقة صحّية ومعرفة اختيار الأطعمة، وفي المقابل التمسّك بالنظام للحفاظ على توازن الجسم وتنسيق الأكل خلال اليوم. تماماً كما أنّ بعض الأشخاص يمتنعون عن تناول مأكولات معيّنة وقد يخسرون الوزن ويتعرّضون لنقص في المواد الغذائية.
كذلك، فإنّ البعض الآخر قد يتجهون نحو أنواع خاطئة ويستهلكون سعرات حرارية عالية، لكن هذا لا يعني إطلاقاً أنهم يحصلون على مغذّيات مهمّة لأجسامهم، فيتعرّضون بدورهم لنقصٍ في المعادن والفيتامينات، ويزداد خطر إصابتهم بمشكلات صحّية.
لذلك يجب التمسّك بنظام غذائي متنوّع ومتوازن، والتركيز على الحبوب الكاملة لتعزيز الشبع، وتفادي لقمشة أطعمة غنية بالدهون، والكالوري، والملح، والسكر".
(سينتيا عواد - الجمهورية)