يردِّدون على مسامعنا، نحن "البنو آدميون" أنّ في الجنَّة لا وجود للأمراض ولا للشيخوخة بل نتمتَع بشباب دائم ونسبح في نعيم لا ينضب معينه. وفي الجنَّة، كلنا يعلم، أننا نتذوَّق طعم "الخلود". أما على كوكب الأرض، فيعرف الإنسان شتَّى أنواع الآلام والعذابات والأمراض، وفضلاً عن ذلك، يمرّ بمراحل مختلفة إذ يعبر من الطفولة الى الشباب، ولا مَهرب له من الهرم والعجز ومكابدة سَكَرات الموت المحتَّم.يُخلِّد عادة التاريخ أسماء وذكرى العظماء الذين تركوا بصمة في العالم. لكننا لم نرَ ولم نسمع أنّ هناك شخصاً "خلَّد جسدياً" أو يعيش منذ الأزل على سطح البسيطة. فعلى الأرض لا خلود ولا أبدية.
كلّ شيء له بداية ونهاية، هذه هي سُنَّة الحياة. لذا ولكي لا "ينقطع" الجنس البشري وتفنى الحيوانات وتزول الشتول والنباتات، اقتضت الحكمة الإلهية ضرورة التناسل، وتزيين المعمورة بالأولاد والجِراء والأشجار المُثمرة.
بيد أنّ العلماء، لا يهنأ لهم بال ولا يتقبَّلون النظريات الدينية، فظلّوا يبحثون ويدقّقون حتى اكتشفوا أنّ هناك مخلوقاً "خالداً" يعيش في أعماق المحيطات، في خضم بيئة تختلف كلياً عن الأمنكة الذي نحيا ونتنفَّس فيها.
إنه عالم مُظلم عميق جداً لا تخرقه أشعة الشمس، ومن أجل هذا السبب تنخفض فيه الحرارة الى أدنى الدرجات. وما يؤكِّد استحالة العيش فيه، الضغط الهائل المهيمن بإحكام فلا يمكن تخيُّل أنّ ثمَّة مخلوقاً قد يعيش ويتكاثر في تلك البقعة من العالم.
وعلى رغم من كلّ تلك التكهُّنات والسلبيات، تبيَّن للعلماء أنّ هناك كائنات استطاعت فعلاً التأقلم وتكيّفت مع شروط هذه البيئة وتحمَّلت شظفها.
مَن هي تلك الكائنات "الخالدة"؟
هل يمكن أن يتصوَّر العقل، أنّ هناك كائناً حيّاً يعيش على الأرض، وصل به تطوّره لدرجة أنه لا يمرّ بمراحل الهرم ولا الشيخوخة وبالتالي لا يموت؟
إنه كائن حقيقي اكتشفه العلماء وتبيَّن لهم أنه لا يموت، واسمه هو تيوريتوبسيس نيوتريكولا Turritopsis nutricula. هذا الكائن هو نوع من أنواع قناديل البحر، اكتشفته مجموعة من العلماء الإختصاصيين في علم البيولوجيا، في جامعة ليتشيه الإيطالية، وتبيَّن أنه قادر على تجديد خلايا جسمه برمَّتها وباستمرار، ولذا لا يصل الى مرحلة الشيخوخة أبداً.
ينحدر تيوريتوبسيس نيوتريكولا، من بحر الكاريبي وبدأ في الآونة الأخيرة، يتجوَّل في بحار العالم أجمع. ما مكَّن العلماء من اكتشاف أنّ دورة حياة قناديل البحر تمرّ بمرحلتين، الأولى هي مرحلة عدم النضوج والثانية مرحلة البلوغ أو النضوج حين يستطيع التكاثر وإنتاج قناديل بحر أخرى.
والطبيعي هو أن يمرّ أيّ قنديل بحر بمرحلة عدم النضوج ثمّ النضوج وأخيراً الموت، لكنّ تيوريتوبسيس نيوتريكولا، يستطيع أن يمرّ بهذه المرحلة لكن معكوسة.
بمعنى أنه مجرد أن يصل لمرحلة البلوغ يستطيع العودة لمرحلة عدم النضوج مرة أخرى، ثمّ النضوج ثمّ عدم النضوج وهكذا دواليك لذا لا يصل لمرحلة الشيخوخة أبداً وبالتالي لا يموت في حال لم يتعرّض لأذى خارجي او للقتل عن "سابق تصوُّر وتصميم".
أما عن سبب هذه القدرة المدهشة فهو عملية بيولوجية تسمى trans-differentiation، وقدرة الكائن الحيّ على تجديد خلايا جسمه مثل حيوان يدعى السمندل الذي تنمو أجزاء جسمه المقطوعة مجدّداً، وهو من فصيلة الضفدعيات، ولقد وهبته الطبيعة القدرة على استعادة الأجزاء المفقودة من جسمه بالكامل وفي أيّ مرحلة من عمره، تماماً كالعظاءة "السقَّاية" بالعامية التي تفقد ذنبها ثمّ ينمو بعد فترة، ويأمل العلماء تطبيق هذه الميزة على المرضى الذين يفقدون أطرافهم أو يتعرّضون لتلف أعضائهم الداخلية ولقد تناولت «الجمهورية» خصائص هذا الحيوان في الملحق الطبّي الصادر يوم الأحد 15 أيار 2016.
ولقد ورد في المقال الذي حمل العنوان التالي: "قريباً ممكن إعادة نموّ الأعضاء المفقودة" أنّ السمندل يستطيع إعادة نموّ أجزاء من قلبه وعينيه وحبله الشوكي، الأمر الذي دفع بالعلماء في السنوات القليلة الماضية، الى دراسة الآلية التي من خلالها يستطيع السمندل تنمية أعضائه لتطبيقها على الإنسان.
بيد أنّ الكائن العجيب الذي نتحدَّث عنه الآن، يستطيع تجديد ليس أطرافه المفقودة وحسب بل جسمه بالكامل.
ويتكوَّن 95 في المئة من جسم تيوريتوبسيس نيوتريكولا من الماء، ولا يملك دماغاً ولا جهازاً هضمياً، ويراوح حجمه ما بين 4-5 ملم.
ولقد حذَّر العلماء من غزو هذا الكائن الذي يتكاثر بصورة مخيفة في بعض المناطق، ولا يموت بصورة طبيعية. والمشكلة أنه يتغذَّى من بيض الأسماك، ما قد يؤثر سلباً على الثروة السمكية في العالم في المستقبل القريب.
• ما هو رأي الدكتور حسّان سعيِّد، الباحث في علم المناعة في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا التابع للمعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية، في إمكان أن يعيش الإنسان الى الأبد ويتمتع بالشباب الدائم؟
يجيب دكتور سعيِّد قائلاً: "الفكرة صحيحة وقائمة حالياً وهي موضع جدال ولا سيما عند مَن يتحدَّثون "بالدارونية الحديثة".
وهناك دراسات حالياً تتمحور حول إمكانية تعطيل الجينات المتعلِّقة بالشيخوخة أو الترهُّل العضلي أو حتى شيب الشعر الوراثي. وتُعتبر عملية جينية بحتة، تعتمد على تفعيل بعض الجينات وإيقاف عمل الجينات الأخرى.
أما عملية الـ trans-differentiation، موضوع البحث أعلاه، فتنبع من مبدأ التفعيل الجيني، فمثلاً نحن البشر ننشأ من خلية واحدة تُسمى البويضة الملقَّحة وهي ناتجة عن اتحاد الخلية المنوية الذكرية مع البويضة التي تمثِّل الخلية التكاثرية الأنثوية. وهنا تطرح الاشكالية التالية: "كيف يمكن لجسم الإنسان المؤلّف من طيف واسع من الخلايا المتعدِّدة نوعاً وكماً، أن ينشأ من خلية واحدة وهي البويضة الملقحة؟" والإجابة، ربما ما يحدث بالتحديد خلال عملية الانقسام المنتظم للخلايا mitosis، وهذه الخلايا تحتوي على المعلومات الوراثية ذاتها، ولكن وخلال مرحلة معيَّنة من الانقسام أثناء الفترة الأولى من الحمل، تبدأ هذه الخلايا بالخضوع لعمليات "التمايز trans-differentiation"، وبالتالي يمكن حينها الحصول على خلية جلدية، خلية عصبية، خلية معوية والى كلّ التشكيلات الخلوية.
والجدير ذكره، بأنّ الخلايا هذه تحتوي أيضاً على المعلومات الوراثية DNA عينها، ولكنّ الاختلاف الوحيد يكمن في تفعيل الجينات الخاصة بكلّ نوع خلية ضمن عملية تسمى "epigenetics" وهو التعديل ما فوق الوراثي الذي ينتج بمحصلته هذا التنوُّع ضمن نطاق ما يسمى بالـ "trans-differentiation".
(تيري رومانوس - الجمهورية)