في الولايات المتحدة الأميركية، تسعى شركات ناشئة إلى إحداث نقلة نوعية في سير عمل العيادات الطبية، وذلك بإدخال تقنية الذكاء الإصطناعي مع رصد وتحليل البيانات الضّخمة، من أجل طرح رؤية مبتكرة لما سوف تكون عليه المعاينة الطبية المستقبلية.
ومن الأشياء التي سوف تختفي من سير العيادة الطبية، عملية دفع قيمة الكشف والتشخيص الطبي إلى الطبيب، حيث سوف تستبدل بوضع نظام جديد يعتمد على الاشتراك الشهري.
كما سوف تحتوي عيادة المستقبل على أريكة واسعة ومريحة وسماعة طبيب متصلة وشاشة عرض كبيرة تعمل باللمس، وبرنامج إلكتروني للتعرف إلى الصوت، يتواجد على الدوام في الاستماع إلى المحادثات وتسجيلها.
وتحاول الشركة الناشئة "Forward" البدء في ابتكار العيادة الطبية المستقبلية، وذلك من قلب مدينة سان فرانسيسكو بأميركا، حيث ذكر أدريان عون مؤسّس ومدير شركة "Forward" أنّ مكتب طبيب المستقبل الذي أسسه، سوف يبدو للوهلة الأولى كأنه متجر لـ"آبل"، غير أنّ الفرق بينهما يكمن في أنّ عيادة الطبيب المبتكرة سوف تتعلّم على التعرف إلى المريض وتعزيز هذه المعرفة بكلّ ما يخصّه مع مرور الوقت.
وذكر كذلك، أنّ الهدف من وراء ابتكار عيادة المستقبل هو إحداث تغيير في النموذج الحالي للوصول إلى نقلة نوعية في مجال العلاج، وذلك من خلال التخلي عن طبّ ردود الفعل إلى التركيز على مجال الطب الاستباقي.
ولتحقيق ذلك، قال أدريان عون، وهو موظّف سابق لدى "غوغل"، حيث كان يشرف على وضع المشاريع الخاصة مع رئيسها لاري بادج في ما يخص البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي: "إنّ الأطباء لديهم محدودية الوصول إلى بيانات المرضى، وبالغالب فإنّهم بحاجة إلى ابتكار أدوات أفضل للقيام بتلك المهمة".
وقد تمّ تصميم العيادة الطبية النموذجية لشركة "Forward"، التي تم افتتاحها في كانون الثاني 2017، لجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن المريض، حيث بمجرد وصوله إلى العيادة، يتم عمل أول اختبار له بتمرير كامل جسمه على الماسح الضوئي والذي تم تطويره من طرف مهندسي الشركة.
وبعد ذلك، وفي مدة 45 ثانية، يتمّ تسجيل بعض البيانات الحيوية الأساسية، مثل الوزن والقياسات ودرجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب وضغط الدم. ويمر المريض بعد هذه المرحلة إلى غرفة الفحص لأخذ عينة من دمه، حيث تجرى له التحاليل في مختبر ملحق بالعيادة الطبية. وتكفي 12 دقيقة للحصول على نتائج التحاليل الطبية للدم.
كما يتمّ أخذ عيّنة من لُعابه لاختبار الحمض النووي، والتأكّد من خلوّه أو احتمالية إصابته بسرطان معين يكون مصدره وراثي. ويتمّ تسجيل كلّ هذه البيانات تلقائياً في ملف المريض الإلكتروني.
وفي نفس السياق، أضاف مدير الشركة الناشئة "Forward": "أنّ الممارسين يفترض ألا يضيّعوا الوقت في إدخال البيانات يدوياً على أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، بل يستعرض الطبيب على شاشة كبيرة تعمل باللمس، أهم العناصر الرئيسية لإجراء التشخيص وعمل خطة العلاج. ويتم سماع جميع المناقشات التي تدور بين الطبيب ومريضه من طرف جهاز يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ويمتلك قدرة على التعرف إلى المعلومات المفيدة التي يتمّ ذكرها أثناء المناقشة وتتم إضافتها إلى ملف المريض آلياً".
إنّ عملية جمع المعلومات لا تتوقّف لما يتم جمعه من المريض عند زيارته العيادة، بل تتعدّاه إلى توفير شركة "Forward" أجهزة متصلة لمرضاها، من بينها الأجهزة الذكية مثل الأساور الإلكترونية، وجهاز قياس الوزن وجهاز تتبع النوم وغيرها. بالإضافة، إلى مستشعرات رسم القلب بالكهرباء، وأخرى لمرض الساد أو الزرق الذي يصيب العينين. ويتمّ تحليل هذه البيانات عن طريق خوارزمية من جهاز الكمبيوتر، والتي ترسل إنذاراً للأطباء في حالات التغييرات غير الطبيعية لدى المريض.
كما تستخدم هذه البيانات في اقتراح برنامج تحاليل وفحوصات عند الزيارة القادمة للمريض. ويمكن للمريض المسجل لدى "Forward" الوصول إلى ملفّه المرضي باستخدام تطبيق على جهاز هاتفه الذكي. كما يمكن للمريض أيضاً الحصول على موعد لدى الطبيب باستعمال عدد قليل من النقرات، أو التحدث إلى مقدمي الرعاية الصحية في أي وقت وذلك خلال تسعين ثانية فقط.
وتتميز شركة "Forward" بنموذجها الاقتصادي، حيث لا يتمّ دفع تكاليف المعاينة عند كلّ زيارة، ولكن يعتمد نظامها على اشتراك شهري قدره 149 دولاراً. ويدخل تحت هذا السعر، استفادة المريض من عدد غير محدود من المعاينات الطبية، كما يمكنه أخذ التطعيمات اللازمة، والحصول على استشارات من أخصائيي التغذية، أو أطباء أمراض النساء وغيرها. كما توفر الشركة بالمجان العقاقير المكافئة للمريض.
وذكر مدير الشركة أنّ الإشتراك لا يحلّ بالكامل محلّ التأمين الصحي، حيث يبقى التأمين ضرورياً في حال استشارة بعض الاختصاصات أو عند الخضوع لعملية جراحية. غير أنّ النظام الاقتصادي لشركة "Forward" يمثل البديل الأرخص للمرضى ذوي المخاطر الصحية الأقل، وذلك لأنّ التأمين الصحي في الولايات المتحدة يكلف عدة مئات من الدولارات شهرياً، والاسترداد يكون عادة محدوداً جداً.
لم تكن شركة "Forward" الوحيدة، التي ابتكرت في مجال الصحة، حيث تنافسها شركة ناشئة أخرى تسمّى "One Medical" بتقديم كذلك خدمة طبية بـ 149 دولاراً سنوياً للاشتراك، وتوفيرها أكثر من 50 مكتباً طبياً في الولايات المتحدة. وتوفر الشركة خدمة الاستشارات عن طريق الهاتف أو عن طريق المحادثة بالفيديو بالمجان، غير أن المرضى يدفعون ثمن الاستشارة الطبية عندما يزورون الطبيب للمعاينة.
(العربي الجديد)