أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القسم الاكبر من القوات العسكرية المنتشرة في سوريا منذ 30 أيلول 2015، والتي سمحت آلاف الغارات الجوية التي قامت بها للجيش السوري بإحراز تقدم على الارض. وجاء هذا الاعلان المفاجىء إثر اتصال هاتفي بين الرئيسين الروسي والسوري بشار الاسد وتزامن مع جولة جديدة من المفاوضات في جنيف بين النظام والمعارضة حيث اجتمع وفد الحكومة والموفد الدولي ستافان دي ميستورا الذي أكّد أنّ الانتقال السياسي هو «أساس كل القضايا» التي ستتم مناقشتها.
بوتين أبلغ أوباما بقرار سحب الوحدات الأساسية الروسية
من سورياأوعَز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، بسحب القوات الرئيسية من سوريا بدءاً من اليوم. جاء ذلك عقب لقاء ثلاثي جمع بوتين بشويغو ووزير الخارجية سيرغي لافروف، أمس في الكرملين.
وأعلن الكرملين في بيان أنّ «كل القرارات التي خرج بها اللقاء الثلاثي تمّت بالتنسيق مع الرئيس السوري بشار الأسد من خلال اتصال هاتفي بينه وبين بوتين، حيث أقرّ الجانبان بأنّ الهدنة أسهمت في تراجع حاد لوتيرة سفك الدماء في سوريا، وتحسّن الوضع الإنساني في البلاد، وتهيئة الظروف المواتية لبدء عملية التسوية السياسية للنزاع تحت إشراف الأمم المتحدة». وأشار الرئيسان إلى أنّ عمل سلاح الجو الروسي سمح بتحقيق نقلة نوعية في محاربة الإرهابيين وتشويش بنيتهم التحتية وإلحاق بهم خسائر بشرية جسيمة. وأضاف البيان: «أنّ الرئيس الروسي أقرّ بأنّ القوات المسلحة الروسية قد نفذت المهمات الرئيسية التي كلفت بها، وتم الاتفاق على سحب الجزء الأكبر من مجموعة الطيران الحربي الروسي من سوريا، مع إبقاء مركز مكلّف بضمان تحليقات الطيران في سوريا، وذلك بهدف مراقبة تنفيذ شروط وقف الأعمال القتالية». وأكّد بوتين أنّ «القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس ستواصلان عملهما كما في السابق». وكلّف بوتين وزير الخارجية «بتعزيز المشاركة الروسية في تنظيم العملية السلمية لحل الأزمة السورية».
وبحسب بيان الكرملين، أشاد الرئيس السوري بمهنية وبطولة الجنود والضباط الروس الذين شاركوا في الأعمال القتالية، وأعرب عن امتنانه العميق لورسيا على إسهامها الكبير في محاربة الإرهاب وتقديم مساعدة إنسانية إلى السكان المدنيين السوريين. كما أشار الأسد إلى استعداد دمشق لبدء العملية السياسية في البلاد أسرع ما يمكن، معرباً عن أمله أن تثمر المفاوضات التي بدأت في جنيف بين الحكومة السورية وممثلي المعارضة بنتائج ملموسة.
من جهتها، أعلنت الرئاسة السورية في بيان إنه «بعد النجاحات التي حققها الجيش العربي السوري بالتعاون مع سلاح الجو الروسي في محاربة الإرهاب، وعودة الأمن والأمان لمناطق عديدة في سوريا، وارتفاع وتيرة ورقعة المصالحات في البلاد، اتفق الجانبان السوري والروسي خلال اتصال هاتفي بين الرئيسين السوري بشار الأسد والروسي فلاديمير بوتين على تخفيض عديد القوات الجوية الروسية في سوريا، مع استمرار وقف الأعمال القتالية، وبما يتوافق مع المرحلة الميدانية الحالية، مع تأكيد الجانب الروسي على استمرار دعم روسيا الاتحادية لسوريا في مكافحة الإرهاب».
تزامناً، أكّد المجلس الاتحادي الروسي، على لسان رئيس لجنته لشؤون الدفاع والأمن، فيكتور أوزيروف، أنّ سحب القوات الروسية لا يعني الامتناع عن الالتزامات الخاصة بتوريد السلاح والتقنيات العسكرية للحكومة السورية، فضلاً عن تدريب الخبراء العسكريين». واعتبر أوزيروف «أنه سنحت للحكومة السورية بفضل مساعدة القوات الفضائية الجوية الروسية، إمكانية للتعامل مع الإرهابيين بقواها الذاتية».
بدوره، أبلغ شويغو، الرئيس الروسي، بأنّ القوات السورية مدعومة بسلاح الجو الروسي تمكنت منذ بدء العملية الروسية في البلاد من تحرير 400 مدينة وقرية سورية واستعادة السيطرة على أكثر من 10 آلاف كيلومتر مربع من أراضي البلاد. وقال شويغو إنّ سلاح الجو الروسي نفّذ، في إطار عمليته في سوريا منذ 30 أيلول من العام 2015، أكثر من 9 آلاف طلعة، مشيراً إلى أن القوات الروسية تمكنت خلال هذه الفترة من عرقلة تجارة الإرهابيين بالنفط أو القضاء عليه بشكل كامل في بعض المناطق، كما استطاعت وقف أو تدمير الإمدادات الأساسية لتمويل الإرهابيين ونقل الأسلحة إليهم.
بدوره، أكّد السفير الروسي لدى الامم المتحدة، فيتالي تشوركين، أنّ الانسحاب العسكري الروسي من سوريا سيساعد على تكثيف الجهود للتوصل الى تسوية سياسية للنزاع. وقال لصحافيين انّ الامر يتعلق «بتكثيف جهودنا للتوصّل الى تسوية سياسية في سوريا».
إلى ذلك، أعلن الكرملين أنّ بوتين أبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما بقرار سحب الوحدات الأساسية من القوات الجوية الروسية من سوريا، حيث أكّد بوتين وأوباما دعمهما التسوية السياسية في سوريا والمباحثات بين السلطات والمعارضة.
بدوره، أعلن البيت الأبيض في بيان أنّ أوباما تحدّث هاتفياً أمس مع بوتين بشأن الأزمة في سوريا وإعلان بوتين عن سحب جزئي للقوات الروسية. وأضاف البيان: «إنّ أوباما رحّبَ بتقليل العنف منذ بدء وقفِ الاقتتال، ولكنّه شدّد على أنّ مواصلة الأعمال القتالية من جانب قوّات الحكومة السورية تهدّد بتقويض جهود العنف».
من جهته، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التونسي خميس الجهيناوي في موسكو إنّ الاقتراحات بشأن قيام نظام فدرالي في سوريا تأتي في إطار المزايدات فقط، مشدداً على أن الشعب السوري هو وحده من يختار نظام الدولة. ولفت لافروف إلى أنّ وقف إطلاق النار في سوريا لا يزال مستمراً، على رغم بعض الخروقات. كما أشار إلى أنّ التصريحات الراديكالية لبعض الأطراف المشاركة في الحوار السوري السوري في جنيف لا تساعد في التوصل إلى اتفاق، مضيفاً أنّ التسوية السياسية للأزمة في سوريا يجب أن تراعي مصالح كل الأطراف بالتوافق بين الحكومة السورية وجميع المعارضين. بدوره ثَمّنَ الجهيناوي دور روسيا في تنفيذ اتفاق وقف الأعمال القتالية وانطلاق الحوار السوري السوري، متمنياً أن يفضي إلى حل سياسي للأزمة، مشيراً إلى أنّ الإرهاب ظاهرة دولية ومكافحتها تتطلب تضافر جهود جميع الدول.
من جهته، اعلن المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة لأطياف واسعة من المعارضة السورية، سالم المسلط، أنّ المعارضة تريد التحقق من تنفيذ القرار الروسي «على الارض» بعد اعلان موسكو نيتها سحب الجزء الاكبر من قواتها من سوريا. وقال المسلط للصحافيين في جنيف «لا بد من أن نتحقق من طبيعة هذا القرار وما المقصود به»، مضيفاً «اذا كان هناك قرار بسحب القوات الروسية فهذا قرار إيجابي ولا بد من أن نرى ذلك على الارض».
بدوره، قال وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، إنّ الأسد سيكون تحت ضغط للتفاوض على انتقال سلمي لإنهاء الحرب الأهلية السورية إذا سحبت روسيا معظم قواتها من البلاد. وقال شتاينماير في بيان «وإذا تحقق إعلان سحب القوات الروسية فسيزيد ذلك الضغط على نظام الأسد للتفاوض بجدية في نهاية المطاف على انتقال سياسي سلمي في جنيف» في إشارة إلى محادثات السلام الجارية في المدينة السويسرية.
ومن جنيف، أكّد مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستافان دي ميستورا، إنّه لا توجد «خطة بديلة» عن استئناف الحرب في سوريا إذا لم تحرز المحادثات التي تهدف إلى وضع «خارطة طريق واضحة» لعملية السلام تقدماً. وقال دي ميستورا إنّ سوريا تواجه لحظة حقيقة في مستهلّ المحادثات التي تهدف إلى إنهاء الصراع المستمر منذ خمس سنوات. وأضاف: «الانتقال السياسي هو النقطة الاساسية في كل القضايا التي ستتم مناقشتها بين وفدي الحكومة والمعارضة». وتابع: «انّ جدول الاعمال وضع استناداً الى القرار الدولي 2254، وفي إطار توجيهات اعلان جنيف بالطبع». وأعلن إثر انتهاء اللقاء مع الوفد الحكومي أنّ «النقاش تطرق الى مختلف القضايا الاجرائية التي أردنا توضيحها وهو تماماً ما سأفعله مع كل من سنلتقي به». ويلتقي دي ميستورا الوفد الحكومي مجدداً صباح الغد «حتى يكون هناك متسع من الوقت لتحريك واستشارة العواصم والعودة للقاء مجدداً، على ان «نركز على جدول الاعمال» على حدّ قوله.
في المقابل، قال رئيس الوفد السوري إلى مفاوضات السلام في جنيف، بشار الجعفري، إنّ لقاء الوفد مع دي ميستورا، كان «إيجابياً وبنّاء». وأضاف: «ناقشنا في هذه الجلسة ضرورة الإعداد الجيّد من ناحية الشكل بما يسمح لنا بالانطلاق على أسس صلبة لمناقشة المضمون والجوهر». وأوضح الجعفري أنّ «الجانب الشكلي يعني من هي الوفود التي حضرت إلى جنيف، وهل تمّ تجنّب ثغرات الجولة الأولى، ومن هي قائمة أسماء المشاركين، وهل تمّ التعامل مع جميع الوفود على قدم المساواة». وأضاف الجعفري: «نحن كوفد للجمهورية العربية السورية قدّمنا لـ»دي ميستورا» أفكاراً وآراء، وهي عناصر أساسية للحل السياسي وأفكار من شأنها أن تثري جهوده السياسية».
ومن دمشق، أعلن امين عام هيئة العمل الديمقراطي في سوريا، محمود مرعي، وهو من معارضة الداخل المقبولة من النظام، لوكالة «الصحافة الفرنسية» أنّ شخصيات معارضة في الداخل تلقّت اتصالاً هاتفياً من مديرة مكتب دي ميستورا في دمشق خولة مطر «تدعونا فيها لحضور مؤتمر جنيف».
ميدانياً، كثفت قوات النظام السوري عملياتها العسكرية في المناطق التي تسيطر عليها تنظيمات جهادية، وتركز التصعيد خلال الساعات الـ24 الماضية في منطقة تدمر بشكل خاص، حيث شنّ الطيران السوري عشرات الغارات. (وكالات)