انفلت إجرام نظام الأسد من عقاله أمس مرتكباً مجزرتين دمويتين، إحداهما في ريف إدلب حيث دمرت سوقين شعبيتين وقلبتهما على روادهما من النساء والأطفال والرجال، وثانيهما في ريف دمشق حيث حولت طائرات بشار الأسد عرساً إلى مأتم جماعي.
ووسط المشهد الدموي هذا، قالت المعارضة السورية إن من يقتل المدنيين لا يمكن أن يكون شريكاً في عملية انتقالية، في إشارة إلى تعليقها المشاركة في اجتماعات جنيف التي لم تثمر عن أي نتيجة حتى الآن، في ظل تحذير للرئيس الأميركي باراك أوباما من أن الهدنة في سوريا تتهالك بسرعة.
ففي مجزرتين نفذتهما الطائرات الحربية التابعة لنظام الأسد باستهدافها مدينة معرة النعمان وبلدة كفرنبل الواقعة بريفها، سقط أمس 44 مدنياً بينهم 4 نساء و3 أطفال تأكد استشهادهم حتى مساء أمس في حصيلة قابلة للزيادة، حيث استشهد 37 مواطناً من ضمنهم طفلان اثنان و4 مواطنات في الأولى، فيما استشهد 7 بينهم طفل في الثانية، وعدد الشهداء مرشح للارتفاع حسب المرصد السوري لوجود جرحى بحالات خطرة ووجود أشلاء ومعلومات عن شهداء آخرين، فيما قال موقع «أورينت نت» إن عدد الشهداء في المجزرتين بلغ 60 شهيداً و200 جريح.
وكانت طائرات النظام شنت أول من أمس غارات جوية على مدينة جسر الشغور وقرية البشيرية بالريف الغربي لإدلب، كما شنت غارة على قرى بالريف الجنوبي، وغارة على مدينة بنش وأطراف مدينة إدلب في الريف الشمالي.
وفي ريف دمشق، ارتكبت طائرات النظام مجازر عدة خلال ساعات راح ضحيتها 9 شهداء وعشرات الجرحى في بلدة بالا في الغوطة الشرقية. وطاول قصف بالصواريخ سيارة لعروسين كانا في طريقهما إلى حفلة زفافهما ما أدى لاستشهادهما، كما سُجل من بين الشهداء امرأتان وطفل رضيع بالإضافة الى 20 جريحاً بينهم 4 حالات بتر.
وشن طيران النظام غارتين على مدينة عربين، وفي الغوطة الغربية تعرضت مزارع مخيم خان الشيح لقصف مدفعي.
وكانت قوات النظام ارتكبت أخيراً مجزرة في بلدة دير العصافير بريف دمشق الشرقي راح ضحيتها 40 شهيداً بينهم اثنا عشر طفلاً وثماني نساء، حيث أُصيب العشرات بجراح من جراء استهداف طائرات النظام الحربية مدرسة ومشفى في دير العصافير.
وفي حمص، أفاد ناشطون باستشهاد ثلاثة مواطنين بينهم امرأة وجرح 10 آخرين في منطقة الحولة بريف المدينة الشمالي المحاصر من قبل النظام، مؤكدين أن حصيلة الشهداء قابلة للازدياد.
وفي المواقف، قال بيان للائتلاف الوطني السوري المعارض، إن هذه المجازر تُضاف إلى سلسلة الجرائم الرهيبة والخروق المستمرة التي ارتكبها نظام الأسد منذ بداية الهدنة، كما أنهما تمثلان تصعيداً خطيراً من خلال العودة إلى استهداف الأسواق الشعبية المكتظة بالمدنيين كفعل إجرامي همجي.
وأكد الائتلاف أن مجازر اليومين الماضيين دلائل إضافية على أحقية ومشروعية قرار الهيئة العليا للمفاوضات بتعليق مشاركتها وتأجيل المشاورات، حيث لا يمكن تهيئة مناخ حقيقي لأي عملية سياسية في ظل استمرار آلة القتل والإجرام إلا بإيقاف تلك الآلة ووضع حد نهائي لجرائم الأسد بحق المدنيين، كما لا بد للمجتمع الدولي أن يفهم بأن من يقتل المدنيين لا يمكن أن يكون شريكاً في أي عملية انتقالية.
ودعا رياض حجاب المنسق العام للهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل المعارضة السورية الرئيسية القوى الكبرى للاجتماع لإعادة تقويم الهدنة التي قال إنها لم تعد مطبقة، مضيفاً أنه لا يمكن إجراء محادثات سلام مع استمرار معاناة الشعب السوري.
وقال حجاب للصحافيين «نحن لن نقبل بمفاوضات وشعبنا يعاني. لن نقبل أن نكون هنا في جنيف وشعبنا يموت من الجوع ومن القصف. ولن نكون طرفاً في عملية تضيع حقوق شعبنا وتزيد من معاناته«.
وأضاف حجاب «أطالب باجتماع لمجموعة وزراء خارجية مجموعة الدعم الدولية من أجل النظر وإعادة تقويم الإجراءات الإنسانية وأيضاً لتقويم عملية الهدنة التي انتهت«. وأشار إلى أن الهيئة العليا للمفاوضات باتت خارج المحادثات على الرغم من أن بعض الخبراء من الهيئة سيبقون في جنيف لعقد اجتماعات، ومضى حجاب يقول «لا يمكن أن يكون هناك حل في سوريا وبشار الأسد موجود في السلطة إطلاقاً، إنه يحلم»، مشيراً إلى أنه وغيره من المسؤولين في المعارضة يخططون لمغادرة جنيف.
وقال ديبلوماسي غربي بارز إن فكرة عقد اجتماع للقوى الكبرى قيد النقاش. وأضاف «هناك سؤال عما إذا كنا بحاجة لإعادة التأكيد على معايير وقف الأعمال القتالية في مرحلة ما قريباً.. وما إذا كان ينبغي إجراء مزيد من النقاش من جانب المجموعة الدولية لدعم لسوريا.. لكننا لم نتخذ قراراً بهذا الشأن بعد«.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي إن القوات الحكومية السورية هي التي نفذت على الأرجح ضربات جوية قتلت نحو 40 شخصاً في سوق مزدحمة للخضراوات بمنطقة تسيطر عليها المعارضة.
وعلى الرغم من قصف السوق بمعرة النعمان في محافظة إدلب قال كيربي إن الولايات المتحدة تعتقد أن ما يسمى باتفاق وقف الأعمال القتالية لا يزال صامداً إلى حد بعيد لكنه هش.
وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه أبلغ نظيره الروسي في مكالمة هاتفية أن الوضع في سوريا يتدهور بسرعة وبالتالي يتعين على دولتيهما العمل معاً لكي يتحرك الوضع هناك إلى الأمام. وأوضح أوباما في مقابلة مع محطة «سي.بي.إس» التلفزيونية الأميركية بثتها أمس «بدأنا برؤيتها (الهدنة في سوريا) تتهالك بسرعة أكبر، وإذا لم تكن الولايات المتحدة وروسيا متناغمتين حيال الحفاظ عليها وتحريك مسار (الحل) السياسي و(المرحلة) الانتقالية، سنعود إلى الوضع الذي كنا عليه قبل ثلاثة أو أربعة أسابيع». وأضاف «لن يخدم هذا مصالح أي منا».
واتفق أوباما وبوتين في المكالمة الهاتفية التي وصفها البيت الأبيض بأنها «محادثة مكثفة» في إثر انهيار مفاوضات جنيف أول من أمس، على التنسيق بين أجهزة المخابرات ووزارتي الدفاع في البلدين بشكل أكبر.
وقال المبعوث الروسي لمباحثات السلام السورية أليكسي بورودافكين إن قرار الهيئة العليا للمفاوضات عدم حضور المفاوضات الرسمية «خطأ» لأن أي تسوية سياسية لا تتم إلا من خلال التفاوض. لكن بورودافكين أضاف أن ذلك لا يشير لانهيار العملية.
وقال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت إنه ينبغي للمبعوث الدولي الخاص لسوريا ستافان دي ميستورا أن يبرز مسؤوليات كل فريق في المحادثات، وبخاصة مسؤوليات النظام وداعميه.
وأضاف الوزير في رسالة إلى المبعوث الدولي أنه يتعين عليه «مطالبتهم بممارسة الضغوط اللازمة للمساعدة في دعم العملية السياسية». وقالت الرسالة أيضاً إن الحكومة السورية انتهكت قرارات الأمم المتحدة بعد عملياتها العسكرية بما فيها تلك التي نفذتها في حلب.
وجاء في الرسالة «على مدى السنوات الأربع الماضية دأب النظام على استخدام عمليات الحصار لتسجيل نقاط سياسية. من المهم أن تواصل الأمم المتحدة دورها كرادع في هذا الشأن«.
وفي العاصمة الأردنية، عبر الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عن قلقه من ازدياد تدفق اللاجئين السوريين الى الأردن بسبب التعثر الذي تواجهه المفاوضات، متعهداً بدعم المملكة في قضية اللاجئين ومكافحة الإرهاب.
وقال هولاند عقب محادثاته مع العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني «ما يحدث في جنيف له أهمية كبرى بالنسبة للأردن، تعليق المفاوضات مثير للقلق«.
(المرصد السوري، أورينت نت، السورية نت، الائتلاف، رويترز، أ ف ب)