شكلت زيارة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل لطرابلس محطة أساسية من سلسلة محطات سابقة سعى من خلالها «التيار الوطني الحر» إلى تحسين علاقته مع عاصمة الشمال، وذلك بعد مواقف عدة أطلقها العماد ميشال عون وباسيل نفسه تجاهها خلال فترات المحنة الأمنية اعتُبِرت استفزازية ومغايرة للواقع الذي كانت تعيشه المدينة التي أكد باسيل «أنّنا اشتقنا إليها وإلى أهلها».
واللافت أنّ «التّيار الوطني الحر» وبرغم كلّ الشوائب التي أحاطت علاقته بطرابلس، لم يغب عنها حتى في أقسى الظروف. فكان مجلس منسقية «التيار» حاضراً في المدينة. وتلا ذلك قيام وفد مركزي بزيارة عدد من الشخصيات الطرابلسية، في خطوة رآها البعض أنّها محاولة عونية لوصل ما انقطع بين «التيار» وأهالي طرابلس خلال السنوات الماضية.
وإذا كان الوزير باسيل أراد توسيع بيكار زيارته إلى «جامعة الجنان» لإلقاء محاضرة، بجولةٍ شملت عدداً من القيادات السياسية في المدينة، وبعض المرافق الاقتصادية الخارجة عن نطاق وزارته، فإنّ ذلك أعطى للزيارة بعدين أساسيين: الأول رئاسي، والثاني بلدي.
ففي البعد الرئاسي، يشعر «التيار الحر» أن عون، لا سيما بعد تحالفه مع رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وبعد مواقفه السياسية الحادة حيال السنّة، يفتقر بشكل واضح إلى دعم الشارع السني، خصوصاً في طرابلس.
لذلك، وجد باسيل أنه من الضرورة القيام بمحاولة لاستمالة هذه المدينة، ولعلّ ما تضمّنته محاضرته في «الجنان» من إشادة بعلم وثقافة وانفتاح طرابلس، ومن استشهاد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، يصبّ كله ضمن هذه الضرورة.
وكذلك فإن هذه الزيارة جاءت كرد طبيعي على تكريم رئيس «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية في طرابلس بدعوة من المفتي مالك الشعار وبحضور العديد من المكونات السياسية والاجتماعية في المدينة التي أراد باسيل الإيحاء بأن «التيار» ليس بعيداً عنها، علماً أن زغرتا والنائب فرنجية تربطهما علاقة تاريخية متجذرة مع طرابلس ومع الرئيس نجيب ميقاتي ومع أكثرية قياداتها وعائلاتها، وهذا ما يفتقره عون وباسيل والتيار ككل.
أما في البعد البلدي، فقد أوحى باسيل أنه أحد أكبر المعنيين بالتمثيل المسيحي في مجلسي بلديتيّ طرابلس والميناء. وهو طرح هذا الأمر مع كل القيادات التي زارها، وشدد على ضرورة الحفاظ على هذا التمثيل حرصاً على الوجود المسيحي في المدينتين. لكنه في الوقت نفسه لم يزر أياً من مطارنة الطوائف المسيحية في طرابلس، ولم تشمل زيارته المفتي الشعار الذي تربطه علاقة جيدة بـ «التيار» وبعون شخصياً، ولا نواب وقيادات «تيار المستقبل».
وقد استهل باسيل جولته الطرابلسية بزيارة الرئيس ميقاتي في دارته في الميناء، ثم انتقل إلى مرفأ طرابلس واطّلع على أعمال المنطقة الاقتصادية الحرة. والتقى وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس، قبل أن ينتقل إلى «معرض رشيد كرامي الدولي» ويطلع على منشآته، ويزور النائب محمد الصفدي. كما زار محافظ الشمال القاضي رمزي نهرا، ورئيس غرفة التجارة توفيق دبوسي.
بعد ذلك انتقل باسيل الى جامعة الجنان حيث كان في استقباله رئيس مجلس الأمناء سالم فتحي يكن، وألقى محاضرة كشف فيها أن طرابلس حُرمت من المشاريع الإنمائية بسبب النكد السياسي، لافتاً الانتباه إلى أن «التفاهم مع حزب الله كان من أجل أن يسمع الشريك المسلم وجع المسيحيين ويبادر بالتطمين بالفعل وليس بالكلام»، مؤكداً أننا تفاعلنا بصدق مع السنة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.