انعقد، أمس، "المؤتمر الثاني للديبلوماسية الفاعلة" الذي تنظّمه وزارة الخارجية والمغتربين ويجمع 73 بعثة ديبلوماسية وقنصلية لبنانية، بغية تنشيط التفاعل الديبلوماسي في ما بينها وبين الوزارات والمؤسسات اللبنانية المعنية، وبغية تفعيل عمل البعثات الديبلوماسية والقنصلية على المستوى الإداري.
تمّيز اجتماع هذه السنة، الذي عقد في فندق "لو رويال" في الضبية وينتهي اليوم بجلستين: الأولى عن استعادة الجنسية والثانية تتناول شؤوناً إدارية، بالحضور الكثيف للسفراء ورؤساء البعثات والديبلوماسيين، فضلا عن حضور سياسي لبناني جامع تقدّمه وزير الخارجية جبران باسيل والطاقم الديبلوماسي في الخارجية اللبنانية والمدير العام للمغتربين هيثم جمعة والأمين العام لوزارة الخارجية السفير وفيق رحيمي.
عناوين عدّة ميّزت اليوم الأول: لبنان وانعكاسات أزمة النزوح السوري، التحديات الأمنية، لبنان في منظومة الأمم المتحدة وعلاقات لبنان مع الأسرة الدولية الى جلسة عن الديبلوماسية الاقتصادية وأخرى عن الديبلوماسية الثقافية.
ولعلّ النسخة الثانية للمؤتمر لا تزال أمينة للهدف الرئيسي الذي أطلق من أجله العام 2014، ويتمثل بإتاحة التواصل الديبلوماسي اللبناني، ليس مع الإدارة فحسب بل مع بقية البعثات في العالم وإمكانية مشاطرة النجاحات وتبادل الخبرات.
الى ذلك، يعطي هذا اللقاء، بحسب الديبلوماسيين، الفرصة لوزير الخارجية وللإدارة المركزية لمشاطرة خريطة الطريق في السياسة الخارجية مع رؤساء البعثات وإمكانية توضيح التحديات التي تواجهها الوزارة أمام البعثات، والتشاور معها، وتطرح بالتالي المنهجية المناسبة وهي ما يسميها أحد الديبلوماسيين اللبنانيين "الجذع المشترك" الذي تتبلور على أساسه المبادرات.
تطرّق باسيل الى ثلاثة طوابق تشكل السياسة الخارجية اللبنانية: الأسس والثوابت، أي الركائز الثابتة للسياسة الخارجية في العداء لإسرائيل وفي مقاربة ملف النزوح السوري وسواها. ثانيا الديبلوماسية السياسية الفاعلة اغترابيا واقتصاديا وثقافيا. والطابق الثالث يتضمن المبادرات لتجسيد هذه الاستراتيجية على أرض الواقع.
وثمة تشديد على قانون استعادة الجنسية بحيث سيستمع وزير الخارجية اليوم الى هواجس الديبلوماسيين لإرساء قانون فعّال.
يذكر أن المؤتمر يسبق بيومين المؤتمر الاغترابي، وقد تقصّد المنظمون هذا الأمر لكي يكون الديبلوماسيون اللبنانيون سوياً مع جالياتهم.
لسة الإفتتاح
وكان وزير الخارجية إفتتح لقاء "الديبلوماسية الفاعلة"، وبعد كلمة ترحيبية لمديرة البروتوكول السفيرة ميرا ضاهر، ألقى باسيل كلمة أبرز ما جاء فيها:
(...) إنّه لقاؤنا السابع خلال سنتين في اطار"الديبلوماسية الفاعلة" التي نحاول أن نركز دعائمها على أعمدة أربعة هي السياسية والإغترابية والإقتصادية والثقافية، وعلى ركيزة أساسية واحدة هي الاستقلالية التي وحدها بامكانها ان تحررها وتعطيها الفاعلية، وتسمح لنا بأن نضع أعرافا وتقاليد خاصة بديبلوماسيتنا تميزها كما يتميز بلدنا، ومن بين هذه التقاليد أن يلتقي رأس الديبلوماسية مع كافة رؤساء بعثاتها ومديريها المركزيين ليركزوا السياسات الخارجية ويضعوا الخطط ويصححوا الشوائب ويعالجوا الأمراض لنرتقي سويا بديبلوماسيتنا إلى ما أورثنا إياه كبار من أبنائها وإلى ما يجب أن نورثه إلى أجيال من بعدنا، تزيد عنا بما قمنا وتطور بما فاتنا".
وتحدث باسيل عمّا يميز المؤتمر الجامع بنسخته الجامعة الثانية، مشيراً إلى أنه "يشتمل هذه المرة على كل رؤساء البعثات الديبلوماسية في العالم، وثانيا أنه يسبق مباشرة مؤتمر الطاقات الاغترابية الثالث بما يتيح لكم، عمدا منا، أن تشاركوا جميعكم مع أبناء جالياتكم الذين اخترتموهم للمشاركة، أن تشاركوا معهم في أهم تظاهرة اغترابية يقيمها لبنان، وثالثا أنه يشارك معنا اليوم 44 ديبلوماسيا لبنانيا جديدا يمارسون لأول مرة نشاطا ديبلوماسيا رسميا لهم وحتى قبل حلفانهم اليمين، على أثر نجاحهم في مباراة شفافة أوصلت الأنجح من حوالى 950 متقدما لها، نأمل منهم أن يضخوا الدم الجديد في السلك الديبلوماسي ونتعهد باستمرار العمل لاستقدام ال 26 المتبقين من خلال مباراة جديدة تأتي بدفع إضافي لجسم أنهكته مصائب دولتنا بالإضافة إلى بعض أعضائه المريضين (الذين إذا لم يشفوا، يجب أن يقطعوا لكي تستمر شجرته بالنمو على حساب يباس بعض أغصانها)، ورابعا أنه سوف يطلق الآلية لتطبيق قانون استعادة الجنسية وهو الأمر الذي سيرتب أعباء كبيرة وسيحملنا مسؤولية إعادة الهوية الوطنية اللبنانية إلى شعب منتشر في كل العالم ومسؤولية استعادة الوطن لعالميته، لهويته، لثروته ومسؤولية عودة الوطن إلى ذاته، إلى ذاتيته، إلى نفسه، إلى أنفاسه، إلى لبنانه - إلى لبنانيته. وخامسا، إننا بلقائنا الثاني نكرس عرفا لا يجب أن تتراجعوا عنه بأن تعودوا من خلاله معا إلى وطنكم، إلى إدارتكم، لتتشاوروا جماعة وتتبادلوا التجارب فتعطوا هذا الوطن أفضل ما عندكم".
وتابع: "أيها الديبلوماسيون اللبنانيون، إن كل سياسة خارجية فاعلة لبلد يجب أن تستند على مبادئ ومعطيات ثابتة " لافتا :" تشكل الطبقة الأولى الأساس من السياسة الخارجية للبلد بحيث تكون على مستوى كل دولة ومكوناتها. إننا نحزن ان لا نجد الإجماع الوطني في هذا المستوى الأول لأن هناك سياسات خارجية خاصة تابعة للطوائف أو للمصالح، فنرى بعضها مع الحياد، إيجابيا كان أو سلبيا، وبعضها الآخر مع الإنغماس قاتلا كان أو منقذا، لذلك نتهرب من الإثنين بابتداع بمفاهيم كان آخرها "النأي بالنفس" كابتكار للهروب من الانقسام والقرار، وعوض أن نحيد بأنفسنا عن مشاكل لا مبدأ لها ولا مصلحة لنا فيها ترانا نحيد عن تأمين المناعة الخارجية لوطننا ونحيد ايضا عن مواجهة الاخطار".
وقال:"إن أنجح وأفعل سياسة خارجية هي المستقلة والتي نكرر أنها تقوم على أمرين:أولهما، مبادىء القانون الدولي حماية لبلد صغير كلبنان والتزاما منه بشرائع الحقوق والعدالة، وثانيهما، مصلحة لبنان العليا التي تبرر أي موقف محرج والتي تعطي المرونة للقيام، من دون وجل، بما فيه مصلحة الدولة ووحدتها وقوتها.أما الطبقة الثانية فهي الديبلوماسية الذي شكل وزارة الخارجية اساسها وهي مكوَّنة من سياسات عامة كبرى قسمناها إلى أربعة: سياسية، اغترابية، اقتصادية، وثقافية. وهذه أيضا يجب أن تستند إلى توافق وطني واسع لكي تكون فاعلة وناشطة وهي سياسات تكون متطورة ومتغيرة مع تغير الظروف، وهنا التوافق ايضا غير مكتمل المعاني في بلدنا حيث تجد الدعم كلاميا دون أن يسند بفعالية تنفيذية. فالجميع مثلا يجمع على أن اسرائيل عدو ولكن نختلف على مقاومتها وعلى كيفية وطريقة مواجهتها تحت مسمى قرار الحرب والسلم الذي يجب ان يكون للدولة ولكنه غائب عنها وعنا جميعا. والجميع أيضا يجمع على رفض التوطين إلا أن بعضنا يعتبره أمرا واقعا ويتعاطى مع النزوح السوري على هذا الأساس أيضا باعتباره قوة قاهرة على بلدنا فيما كان ولا يزال ممكنا الحد منه. والجميع يتغنى بالانتشار اللبناني ويعرف أهميته ولكننا لا نقدم له شيئا ونمضي 12 سنة لإقرار قانون استعادة الجنسية. والجميع يقر بأهمية الديبلوماسية الاقتصادية إلا أننا لا نجد ملحقا تجاريا لبنانيا واحدا، والجميع يعتبر الديبلوماسية الثقافية أساسا لنشر رسالة بلدنا إلا أننا لا نجد مركزا ثقافيا واحدا للبنان في العالم".
وأضاف: "أما الطبقة الثالثة، فهي مكونة من المشاريع والقرارات التي تتخذها الوزارة بالتعاون مع الادارات الاخرى وكل المعنيين تنفيذا للسياسات المذكورة آنفا وهي في بلدنا غالبا ما تتأخر إن لم تتعطل أو تتوقف بسبب عدم انتظام وسير عمل المؤسسات. وهكذا نعد ونحصي العشرات من المشاريع المتوقفة كالتشكيلات والترفيعات والمخصصات والاصلاحات في الجسم الديبلوماسي، ومبنى الوزارة المركزي، ومباني السفارات والبعثات وانتشارها على مدى الجاليات وتعيين القناصل الفخريين والتصحيحات الجدية في القوانين والادارة، والتطويرات الضرورية على صعيد التجهيزات والمكننة وربط الوزارة والسفارات ببعضها البعض الكترونيا وتقديم كافة الخدمات الكترونيا الى اللبنانيين وصولا الى e-voting اضافة الى الابداعات المطلوبة لكي تكون حدود لبنان حدود العالم".
وتطرق الى موضع النزوح: "قلنا منذ البداية ان انطلاقته لن تكون من سوريا فقط وها هي افغانستان وافريقيا وغيرها شاهدة على ذلك، وقلنا ان محطاته لن تكون دول جوار سوريا وها هي اوروبا شاهدة على ذلك، هو نزوح ليس فقط لبشر بل لمجتمعات وثقافات وتنوعات جمعت نسائج إنسانية سوف تزيل بزوالها فكرة دولة المواطن الموحدة في أوروبا وتفكك اتحادا تطلعت إليه البشرية كنموذج حاضن لتاريخ وثقافات وشعوب ودول، وهي مشاكل داخلية عدة على رأسها الفساد الناهش للدولة ومؤسساتها والتوازن الداخلي المفقود الكاسر لصيغة الدولة وأساس قيامها. كلها أخطار إذا ما تركت سوف تؤدي بنا ليس فقط إلى خسارة وطن لا بديل لنا عنه، ولا أغلى منه في العالم، بل ستؤدي بالعالم إلى خسارة نموذج نقيض للارهاب، بسقوطه سوف ينتصر الإرهاب في أوروبا بدءا، وهي حقيقة دامغة بالنسبة لنا نرى المجتمع الدولي قاصرا عن تقبل مدى فظاعتها".. وتحدث عن تفعيل الديبلوماسية الإغترابية
أضاف:"الديبلوماسية الاغترابية "حيث نلتقي اليوم لتفعيلها في السياسة كما ذكرنا، وفي التواصل مع الانتشار،وفي الاقتصاد وفي الثقافة. ان هذه الديبلوماسية الاغترابية تقوم على الانتشار وعلى السلك الرسمي الذي يتوجب عليه اكثر بكثير من توفير كل طلبات المنتشرين بل السعي وراءهم بما هو اكثر من توفير حقوقهم وبما هو اعطاؤهم الامتيازات ولو المعنوية لاشعارهم بأهميتهم وقيمتهم. وتابع: "في الديبلوماسية الاقتصادية اتكال أساسي أيضا على الانتشار اللبناني الذي يكفي وحده سياحة اذا سوقنا له لبنان بأن يؤمن قطاع السياحة، ويكفي وحده تصديرا اذا بعنا البضاعة اللبنانية له بأن يوازن الميزان التجاري، ويكفي وحده استثمارا اذا اقمنا له الظروف بأن يؤمن حاجات لبنان الاستثمارية في الكهرباء والخدمات والاتصالات والنفط والمواصلات، إن منتشرينا هم عصب اقتصادنا. (...)
وقال باسيل:"اما الديبلوماسية الثقافية فقد يبدو للبعض انها محدودة ولكن ان تذكرنا ان قوة اي بلد هي ثقافته وان لبنان تحديدا تأتي فرادته من تنوع وتراكم ثقافاته فاننا عندها نعي ان ميادين الثقافة اللبنانية التي تحتاج لعملنا لكي يشع لبنان ويتغلغل في اقاصي الارض هي عديدة. ان المائدة اللبنانية هي احدى اوجه الثقافة وهي لا تحتاج جهدا للتعريف بجودتها ولذتها، بل تحتاج جهدا لتسويق بضاعتها واعطاء الدمغة اللبنانية الاصيلة على طرائقها الحقيقية. اننا نسجل لكم بعض النجاحات في التعريف على جودة النبيذ اللبناني الذي هو احد اوجه ثقافتنا، ونطالبكم بالمزيد لما له من أهمية ثقافية وسياحية وصناعية وتجارية للبنان، ونطالبكم ايضا بالعمل الكثير من المنتوجات الخاصة بلبنان دون تعداد الكثير منها (...).
وعقدت الجلسة الاولى تحت عنوان "لبنان وانعكاسات أزمة النزوح السوري ومؤتمر لندن"، وترأسها مدير الشؤون السياسية والقنصلية السفير شربل وهبه، وتحدث فيها الوزير بو صعب عن "مؤتمر لندن والجهود في القطاع التربوي" فقال: "لدينا مليون ونصف مليون نازح سوري و 500 الف لاجىء فلسطيني في بلد عدد سكانه أربعة ملايين، فلنفكر في التربية والطبابة والكهرباء والمياه وكل الخدمات المطلوبة. كلنا نعرف حالة لبنان الاقتصادية، ماذا لو أضفنا اليها الاعباء الحالية. فخسارة إقتصادنا في العام 2015 بلغت 5,6 مليار دولار، وبلغت 13,1 مليار دولار منذ 2012 بسبب أزمة النزوح. لقد حان الوقت لنفكر في كيفية حل هذه المشاكل".
أضاف: "وزارة التربية لديها نحو 1200 مدرسة رسمية، وتضم 250 الف طالب لبناني. في المقابل لدينا 450 الف طالب سوري، يقال لنا ان تم إدخال هؤلاء الى المدارس فلن يغادروا لبنان بعدها، واذا لم ندخلهم الى المدارس نكون بذلك نخاطر ببقائهم في الشارع وبالتالي لربما إنحرافهم. من هنا كان قرار الوزارة بإدخال الأطفال السوريين الى المدارس اللبنانية وأن يعلمهم أساتذة لبنانيون وليس كما حاول البعض قبلا، فتح مدارس سورية للسوريين في لبنان. وقد عقدنا إجتماعات عدة مع المجتمع الدولي والدول المانحة والمؤسسات الاخرى في هذا الإطار، ومن كانوا "فاتحين على حسابهم" ويعملون مباشرة في لبنان من دون العودة الى الدولة والمرور بإلاطر السليمة كي نحافظ على سيادتنا في هذا الموضوع".
وعن "تحديات الاستجابة لأزمة النزوح"، تحدث مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون الدولية الدكتور شادي كرم، فعرض الاخطار التي تهدد لبنان جراء هذه الازمة ومنها "المساعدات الانسانية والاقتصادية وتهديد التوطين في لبنان الذي أعطى إغراء للمجتمع الدولي بكيفية حل أزمة النازحين.
من جهته، عرض مدير عام المالية ألان بيفاني آفاق وتحديات الدعم المالي الدولي للبنان، وتحدث عن الوضع "الاقتصادي والنقدي والميزان الخارجي وأثر الازمة السورية المباشر والقدرة على الاستمرار والتفاعل معها من خلال تثبيت النظام والبنية القادرة على تقديم الخدمات المطلوبة".