لا يعرف إجرام نظام بشار الأسد حدوداً؛ فإذا حُشر سياسياً رد بمجزرة، وإذا حُشر ميدانياً كثف من مجازره، وإذا حقق تقدماً ميدانياً فإنه يتشدد سياسياً ويحاول إلغاء الشعب السوري، وكل ذلك تحت نظر العالم الذي إذا لم يساو بين الجزار والضحية، يكتفي بإدانات لا تسمن ولا تغني من جوع... هذا إذا أدان الجريمة هذه أو تلك بالأصل.
فبعد ساعات من إقرار البيان الختامي لاجتماع «المجموعة الدولية لدعم سوريا» بالإضافة إلى إيران وروسيا، في العاصمة النمساوية فيينا، الثلاثاء، استحداث آلية جديدة لوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة في سوريا، عبر إلقائها من الجو في حال تعثر وصولها بحلول مطلع الشهر المقبل، ارتكب نظام الأسد مجزرة دموية في مدينة الرستن في ريف حمص وأباد في غارة جوية عائلة بكاملها، فيما وجه نيران قناصيه إلى حي الوعر المحاصر منذ أكثر من 3 سنوات مستهدفاً مدنيين كانوا يتجمعون أمام الفرن الوحيد طلباً لبعض خبز يقيهم من الموت جوعاً.
لكن كل تلك المجازر والسكوت الدولي، والتوغل الروسي والإيراني بالدم السوري، لا يجدي نفعاً، فلا الغطاء الجوي الروسي كسر روح الثورة، ولا المشاركة الإيرانية المباشرة كسرت الثوار الذين ينزلون بجنود طهران خسائر يومية، آخرها قتل «رجل دين» مقاتل، أول من أمس، في خان طومان بريف حلب.
فقد استشهد 14 مدنياً على الأقل وأصيب آخرون، جميعهم من عائلة التركماني، جراء غارات جوية استهدفت منازلهم في مدينة الرستن بريف حمص الشمالي. ومعظم الضحايا كانوا من نساء وأطفال العائلة المنكوبة، حيث قضى أسامة محمد التركماني برفقة زوجته سلوى وأطفاله الخمسة، وكذلك قُتلت شقيقته الأرملة مع ثلاثة من أطفالها.
وأوضح ناشطون أن طيران النظام شن 8 غارات جوية على المدينة، مستهدفاً الأحياء السكنية فيها بالصواريخ الفراغية، وأن عدداً من الجرحى إصاباتهم بالغة، كما أن هناك مفقودين جراء تهدم بعض المنازل، ما يجعل حصيلة الشهداء قابلة للارتفاع.
الناشطون الميدانيون قالوا إن 7 أشخاص بينهم طفلان، بعضهم بحالة حرجة، أصيبوا برصاص القناصة التابعة لقوات الأسد المتمركزة في الكلية الحربية في مدينة حمص، والتي استهدفت المدنيين المتواجدين عند الفرن الآلي في حي الوعر. وقال مدير مركز حمص الإعلامي أسامة أبو زيد لـ»أورينت نت» إن قوات الأسد سمحت لأهالي الحي المحاصر البالغ عددهم 100 ألف مدني، بالحصول على 200 ربطة خبز فقط من أصل عشرة آلاف ربطة مخصصات الحي اليومية، وذلك بعد تعمد النظام منع هذه المادة الحيوية عن الحي لنحو 75 يوماً، حيث تجمع الأهالي عند حاجز الفرن، لتطلق بعدها ميليشيات الشبيحة النار، الأمر الذي أدى إلى إصابة 7 مدنيين، بعضهم أطفال.
ويعاني حيّ «الوعر» في حمص اليوم حصاراً خانقاً يشمل كافة نواحي الحياة، ونقصاً حاداً في المواد الغذائية الأسياسية لا سيما حليب الأطفال حيث يبلغ عدد الأطفال الرضع 1900 طفل يحتاجون مادة الحليب المجفف نتيجة الحصار وسوء التغذية، إلى جانب نفاد المواد الغذائية من معظم مناطق الحي وظهور حالات سوء تغذية بين السكان، وعدم توفر الأدوية الأساسية للحالات المرضية سواءً العادية أو المزمنة فضلاً عن احتياجات الجرحى، ما أدى إلى حالة من التململ بين المدنيين نتيجة الضغط والحصار والتجويع ربما تتطور لحالة نزوح جماعي، وشهد يوم السبت الماضي وفاة طفلة في حي الوعر المحاصر بسبب فقدان الدواء ونقص الغذاء جراء استمرار الحصار على الحي.
وفي مقابل جرائم النظام وداعميه الدوليين والإقليميين، يستمر نزيف ميليشيات إيران البشرية في سوريا، وبالتحديد في خان طومان بريف حلب الجنوبي، وإلى جانب كبار الضباط العسكريين وعشرات العناصر انضمت الثلاثاء إلى قائمة القتلى شخصية دينية إيرانية بارزة.
ونعت وسائل إعلام إيرانية المرجع الديني مجيد سليمانيان، الذي قُتل في معارك خان طومان المستمرة مع فصائل «جيش الفتح».
ووصف موقع «حاج قاسم سليماني» الإيراني القتيل سليمانيان بـ»حجة الإسلام»، إلى جانب أنه إمام في حوزة دينية، وأستاذ في جامعة مدينة شاهرود شهرستان، وأضاف الموقع أنه قتل على يد من اعتبرهم المجموعات «الإرهابية التكفيرية»، خلال دفاعه عن «الأضرحة الشيعية المقدسة» في ريف حلب.
وسجلت معارك خان طومان، خسائر بشرية غير مسبوقة في صفوف الميليشيات الإيرانية، وذلك بعد مقتل 30 جندياً إيرانياً، و60 من ميليشيات شيعية أفغانية، و12 عراقية، و8 من ميليشيا «حزب الله» اللبناني، و20 جندياً من قوات النظام، إلى جانب عشرات الأسرى والجرحى. وقد اعترف أمين مجمّع تشخيص مصلحة النظام الإيراني القائد السابق في ميليشيات الحرس الثوري محسن رضائي، بصعوبة إعادة السيطرة على مدينة حلب.
سياسياً، أعرب مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستافان دي ميستورا أمس، عن تفاؤله في إمكانية استئناف محادثات السلام السورية المعلقة، إلا أنه شدد على ضرورة عقدها «في أقرب وقت» لتجنب فقدان الزخم.
وجاءت تصريحات دي ميستورا غداة فشل المحادثات بين الدول الكبرى حول النزاع السوري في فيينا بتحقيق أي اختراق واضح لحل الأزمة المستمرة منذ 5 سنوات.
وفي ختام اجتماع المجموعة الدولية لدعم سوريا التي تضم 17 دولة وتشترك موسكو وواشنطن في رئاستها، تعهد المشاركون بتعزيز وقف إطلاق النار الهش في البلاد التي مزقتها الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية. ولكن على الرغم من ذلك، أخفقت المجموعة في تحديد موعد جديد لاستئناف محادثات السلام بين نظام بشار الأسد والمعارضة السورية. إلا أن دي ميستورا أصر على أن «هناك أملاً« بمعزل عن التقدم البطيء.
وقال أمام الصحافيين في العاصمة النمساوية «أشعر براحة كافية لأوضح للشعب السوري والمجتمع الدولي أنه يمكننا إعادة إطلاق المحادثات (...) لأنه من الواضح أن ليس هناك حلاً عسكرياً«. وأضاف «لكن نحن في حاجة إلى القيام بذلك في أقرب وقت، ليس في وقت متأخر، وإلا سنفقد الزخم». وأوضح أن على المفاوضين أن «يأخذوا في الاعتبار» أن شهر رمضان سيبدأ بحلول السادس من حزيران.
وفي أعقاب محادثات الثلاثاء، حذر دي ميستورا من أنه لا يمكنه الدعوة الى استئناف المحادثات التي تتوسط فيها الأمم المتحدة في جنيف في حال استمر القتال.
(أورينت نت، كلنا شركاء، الهيئة السورية للإعلام، أ ف ب)