الصداق أو المهر في الفقه الإسلامي هو ما يدفعه الرجل للمرأة التي يتزوجها، وهو دليل إكرام الله تعالى للمرأة، حيث جعل المهر حقاً مفروضاً على الزوج، وألزمه بدفعه بالمعروف.
ويجوز تعجيل المهر وتأجيله، كما يجوز تعجيل بعضه وتأجيل بعضه، ومؤجّل المهر هو دين في ذمّة الزوج. وقد جرت العادة في بلادنا أن يُذكر المهر في العقد مؤجلاً دون أن يُحدّد للأجل مدة، فإذا لم يُحدد أجل معيّن لسداد مؤخر المهر فإن المطالبة به تكون عند الفرقة بطلاق أو نحوه، أو عند موت أحد الزوجين.
فإذا توفي الزوج أولاً ولم يكن قد دفع لزوجته مؤخرها يموت وهو مدين، إلاّ إذا كانت الزوجة قد سامحت بذلك فإنّ ذمّته تبرأ حينئذ من الدّين، وإلاَ حُق للزوجة أن تأخذ من تركته مؤخر مهرها، قبل إخراج وصيته أو توزيع تركته على الورثة، ثم تأخذ نصيبها مما بقي من التركة.
وإن كانت الزوجة هي التي ماتت قبل زوجها، فلورثتها أن يأخذوا نصيبهم في مؤخر المهر، كغيره من أموالها، ويوزع عليهم بحسب نصيبهم في الميراث، بمن فيهم الزوج.
وعلى المرأة مراعاة حال زوجها من اليُسر والعُسر، فلا ينبغي لها مطالبته بمؤخر المهر حال إعساره حتى يُوسر. ولو كان موسراً، ولم تكن هي بحاجة إلى المال ورأت من زوجها أنه يكره مطالبته به، فمن العقل والحكمة أن لا تُلحّ في ذلك الطلب، بما يكدر صفو عيشها.
وعلى الزوج مٌراعاة حق المرأة في المهر، فيوفّه لها كاملاً عاجلاً غير منقوص، خاصة إذا كان يرى بها حاجة إليه، حتى ولو لم يحن أجله بعد.
إصلاح الأمر
ومعروف للجميع أن الليرة اللبنانية انهارت قيمتها إزاء العملات الأجنبية والمعادن الثمينة إبّان الحرب الأهلية اللبنانية، ولم تستعد استقرارها وثباتها إلاّ في بداية العام 1993.
وانعكس هذا الأمر على مُجمل نواحي الحياة، ومنها المهر المؤجّل، حيث أضحى مع مرورالزمن وتدهور سعر الصرف عديم القيمة تقريباً.
وقد اصدر المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى برئاسة صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان القرار رقم 43 بتعديل المادة 2 من نظام أحكام الأسرة بتاريخ 7/5/2016، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 19/5/2016.
وقد استند على القرارات رقم 46 تاريخ 1/10/2011 المتعلق بنظام أحكام الأسرة، والقرار رقم 15 تاريخ 5/5/2012 بإيقاف العمل بالمادة 2 من النظام ريثما يصدر قرار عن المجلس الشرعي يتعلق بقاعدة تحديد قيمة المهور في فترة اختلال قيمة النقد، والقرار رقم 44 بتاريخ 1/12/2012 بتحويله الى اللجنة التشريعية لدرسه، والقرار 13 تاريخ 6/2/2016 بطلب إعادة درسه من قبل اللجنة التشريعية.
وجاء فيه: «بما أن الحق المالي للمرأة يقتضي أن يتصف بالاستقرار وبمنأى عن اي تقلبات اقتصادية أو نقدية، وذلك نظراً لطبيعة المهر والغاية من تحديد قيمته في عقد الزواج وللمفهوم الإنساني لهذا العقد الذي يختلف بطبيعته وغايته عن سائر أنواع العقود الأخرى. وبما أن النقد الورقي يجري تداوله بصفته التمثيلية للنقد الأساسي المعرّف بقطعة نقدية من أحد المعدنين الثمينين، الذهب والفضة، من وزن وعيار محددين. كما أن مصارف الإصدار كانت تلتزم استبدال أحد المعدنين الثمينين بالنقد الورقي لحامله عندما يريد ذلك. وبما أن الذهب هو من المعادن الثمينة التي تتصف أسعارها بالثبات والاستقرار ولا تتأثر كثيراً في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والحروب».
لذا قرر المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى تعديل المادة 2 على الشكل التالي: «عند استحقاق المهر المٌسَمَّى بالعُملة الورقيّة اللبنانيّة أو ما تبقَّى منه، تُقدّر قيمة المُستحق عند الاحتساب بعدد أونصات الذهب بتاريخ العقد وإثباتاته وفقاً لقيود مصرف لبنان، ويؤدى المستحق بالذهب عيناً أو بما يعادله بالعملة اللبنانيّة بتاريخ الحكم النهائي المبرم. وتسري أحكام هذه المادة على المهور المسماة في عقود الزواج وإثباتاتها بالعملة الورقيّة اللبنانيّة المتداولة قبل تاريخ 1/1/1993».
أما العقود او الإثباتات التي أجريت بعد هذا التاريخ، وبسبب التغييرات الإقتصاديّة والنقديّة التي حصلت، فقد أصبح الناس أكثر إدراكاً للموضوع واتجهوا إلى اعتماد الدولار الأميركي او الليرات الذهبية في اعتماد قيمة العقد.
نشكر للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وعلى رأسه صاحب السماحة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان هذه الخطوة الموفقّة وهذا الموقف المُنصف للمرأة.