لا يظهر تقييم واشنطن للخطط التي تتبعها إيران في العراق لمكافحة «داعش« تفاؤلاً بقدرة طهران على كبح جماح التنظيم المتطرف من دون تدخل مباشر للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وأفادت مصادر عراقية مطلعة أن الخبراء العسكريين التابعين لوزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) من الذين ينتشرون في بعض القواعد العسكرية في العراق، سجلوا ضعفاً واضحاً وبدائية في الاستراتيجية الايرانية العسكرية المطبقة لمواجهة «داعش«.
وقالت المصادر في تصريح لـ»المستقبل« ان «المستشارين الاميركيين في قاعدتي الحبانية وعين الاسد في الانبار وفي مقر السفارة الاميركية في بغداد، سجلوا في معرض تقييمهم الاستراتيجية الايرانية العسكرية لمواجهة «داعش« ان الخطط الايرانية المطبقة ضعيفة وبدائية جداً وتستند الى خطط تقليدية تعود الى فترة الثمانينيات من القرن المنصرم».
وأوضحت المصادر ان «المستشارين الاميركيين في العراق يؤكدون في تقاريرهم الموجهة الى واشنطن ان طريقة انتشار قوة المدفعية التي تستخدمها ميليشيات الحشد الشعبي بإشراف الخبراء الايرانيين في قصف معاقل «داعش« تشابه الى حد كبير طريقة انتشارهم ايام الحرب العراقية - الايرانية (1980 - 1988) وهي طريقة تعتمد القصف المكثف العشوائي من دون التأكد من المعطيات العسكرية على الارض، اضافة الى ان الاستراتيجية الايرانية تعتمد على الموجات البشرية من خلال زج الآلاف من عناصر الميليشيات الشيعية في شن هجمات على المدن التي يتحصن بها عناصر «داعش« من دون حساب التكاليف البشرية«.
وكشفت المصادر ان «التقييم الذي يقدمه المستشاران الاميركيان بشكل دوري الى وزارة الدفاع الاميركية ينصب على عدم قدرة الاستراتيجية الايرانية المطبقة على تحقيق انجازات ناجعة برغم انها تحقق مكاسب على الارض لكنها تبقى محدودة ان لم تتم الاستعانة بمقاتلات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة»، لافتة الى ان «ايران ارسلت مستشارين عسكريين الى قاعدة الحبانية التي فيها نحو 250 مستشارا اميركيا ومئات من عناصر قوات المارينز وقرب مناطق عمليات الأنبار في غرب العراق، لتقديم المشورة للجيش والشرطة العراقية.»
وأشارت المصادر الى ان «تقييم بعض القيادات الامنية العراقية بشأن تنظيم «داعش« يشير الى ان التنظيم المتطرف يمتلك عناصر محترفة في قتال الشوارع تجعله يتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، كما يضم في صفوفه ضباطا مهنيين من الجيش العراقي السابق»، لافتة الى ان «خطة التنظيم في الرمادي او في غيرها من المناطق التي يسيطر عليها تركز على استخدام السيارات المفخخة ونشر المئات من الكمائن والالاف من العبوات الناسفة والعشرات من القناصين مع انضباط عسكري شديد ومفاجآت في التحرك السريع والخفيف والقدرة على فتح جبهات متعددة في وقت واحد ووعي في الجغرافية العسكرية.»
وبينت المصادر ان «نقاط القوة التي يتميز بها تنظيم «داعش« تحمل في الوقت نفسه ضعفاً له خصوصا قلة عدد عناصر التنظيم مقارنة مع المساحات الواسعة من الارض التي يسيطر عليها، اضافة الى رفض غالب الحاضنة الشعبية لهم وعدم إمكان استخدام السلاح الثقيل لسيطرة مقاتلات التحالف الدولي على الجو مما يؤدي الى صعوبة الحركة بأعداد كبيرة، فضلا عن ضعف الاتصالات بين قيادات التنظيم والكتائب التابعة لهم خشية كشف مواقعهم واستهدافهم بالقصف الجوي«.
ميدانياً، تواصل القوات العراقية مدعومة بالآلاف من عناصر ميليشيات الحشد الشعبي خوض المعارك ضد «داعش« في اكثر من محور وخصوصا في الانبار وصلاح الدين.
وأكد قائد عمليات الانبار اللواء الركن قاسم المحمدي ان «القوات الامنية من الجيش والشرطة والحشد الشعبي حققوا نجاحات امنية وعسكرية لم يكن يتوقعها تنظيم (داعش) الذي كسر ظهره خلال معارك تطهير محيط الرمادي وتكبد خسائر فادحة بقتل العشرات من عناصره وتدمير معاقله في حي التأميم والطاش وجامعة الانبار (جنوب الرمادي)»، مشيرا الى ان «معارك تطهير الرمادي مستمرة من ثلاثة محاور هي القاطع الشرقي في منطقة الطوك والسجارية والقاطع الشمالي من جهة جسر الورار والبو فراج وما يليها من مناطق والجانب الجنوبي المتمثل بحي التأميم وجامعة الانبار التي تمثل مركز انطلاق داعش واهم معاقلهم فيها«.
وفي مقلب آخر، تجسد محادثات وزير الخارجية القطري خالد العطية في بغداد طبيعة التغير الملموس في خارطة العلاقات الاقليمية للعراق مع دول الخليج، لكون تلك المحادثات جاءت بعد سنوات من القطيعة الديبلوماسية بين بغداد والدوحة على خلفية اتهامات مباشرة أطلقتها الحكومة العراقية السابقة التي ترأسها نوري المالكي على مدى السنوات الثماني المنصرمة، للقطريين، بدعم وتمويل الإرهاب في العراق ضمن توجهه لعزل العراق عن محيطه العربي.
وبرغم الحملة الواسعة التي شنتها وسائل اعلام عراقية ممولة من ايران والهجوم المنسق على السياسة القطرية في المنطقة والتي ظهرت جلياً خلال المؤتمر الصحافي الذي جمع وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري مع الوزير العطية من خلال الاسئلة «الموجهة والملغومة» المنسجمة مع سياسة المحور الايراني والتي انتقدها العطية، الا ان المحادثات فتحت صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين في وقت حساس يمر به العراق والمنطقة في ظل التطورات الاقليمية المتسارعة وتنامي تأثير «داعش« على بعض دول المنطقة.
وأعلن الجعفري توصله الى اتفاق مع العطية لفتح السفارة القطرية في بغداد واستئناف العمل الديبلوماسي بعد 12 سنة من القطيعة. وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك عقد في مقر وزارة الخارجية إنه «جرى الاتفاق مع الوزير القطري على اعادة افتتاح السفارة القطرية في بغداد واستئناف العمل الديبلوماسي وقريبا ستسمي قطر سفيرها في العراق«.
واضاف الجعفري أن «قطر تعهدت تقديم مساعدات للعراق في شتى المجالات عدا التواجد العسكري لان موقفنا واضح وابلغنا به الجميع باننا لا نريد اي تواجد عسكري اجنبي على الاراضي العراقية«. ولفت الى ان «العراق أشاد بموقف قطر الداعم للنازحين وتضامنها معه ضد تنظيم داعش»، مؤكدا أن «خطر التنظيم لا يهدد العراق فقط وإنما جميع دول المنطقة«.
وشدد الوزير القطري على ضرورة تحقيق مصالحة وطنية شاملة في العراق تهدف الى معالجة جذور الارهاب، مؤكدا موقف قطر الثابت من ادانة الارهاب بكل اشكاله ومسمياته. وقال إن «قطر تعتبر جميع الطوائف العراقية والمكونات هم عراقيون وهناك ضرورة للعمل سويا من اجل الوصول الى المصالحة الوطنية وتكون السبب الرئيس لدحر الارهاب«.
وشدد على أن «مواجهة الارهاب تتطلب الغوص عميقا لمعرفة مسبباته، وفي قطر نؤكد على ضرورة الالتفاف حول الحكومة الشرعية في العراق، كما ان الدوحة اعلنت موقفها الداعم للحكومة الجديدة وتجاوز الخلافات السابقة«.
واعتبر الوزير القطري ان الاتهامات التي توجه الى بلاده بدعم الارهاب «غير واقعية«، مؤكدا ان بلاده «عضو في الكثير من المحافل الدولية التي تعمل على مكافحة الارهاب«.
وكان العطية التقى خلال زيارته الى بغداد كلا من الرئيس العراقي فؤاد معصوم ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أكد على ضرورة تكاتف جميع الدول للقضاء على الإرهاب الذي يهدد الأمن الوطني للجميع وأهمية تبلور الجهود للعمل من اجل نهوض وتقدم دول المنطقة.
وبالتزامن مع وجود الوزير القطري في بغداد التي وصل اليها مساء اول من امس، أوقع تفجيران بسيارتين مفخختين داخل مرأبي فندقي بابل وعشتار الراقيين (وسط بغداد) 9 قتلى و31 جريحا في هجوم يحمل بصمات «داعش»، مما يدلل على قدرة التنظيم على اختراق التحصينات الامنية حول المواقع المهمة في العاصمة العراقية.