يتكثف النشاط الديبلوماسي باتجاه أنقرة ومنها باتجاه كل من طهران وموسكو، وأحد أهم ملفات هذه الحركة الناشطة هو الأزمة السورية، والهدف هو التوصل إلى تفاهم مشترك بشأن عناصر الحل وخصوصاً دور بشار الأسد في هذه الجهود. وفي ما يشبه الإقرار بالعجز الإيراني عن مواجهة الثوار في سوريا، أعلنت طهران أن الطيران الروسي تدخل في حلب «بطلب من مستشارين عسكريين إيرانيين» حسب تصريح للأميرال علي شمخاني المكلف التنسيق بين إيران وروسيا وسوريا.
ففي السياسة، قال مستشار رئيس مجلس الشورى الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبداللهيان في مقابلة مع وكالة «سبوتنيك» الروسية أمس، إن إيران تشاهد مراجعة تركيا لسياستها الخارجية بخصوص المستقبل السياسي لسوريا، لكنه دعا إلى التحلي بـ»الواقعية»، مقراً بأن تعديل موقف أنقرة سيستغرق وقتاً معيناً.
وقال عبداللهيان الذي كان يشغل منصب نائب وزير الخارجية الإيراني سابقاً، إن الحوار الصريح والودي بين طهران وأنقرة لم ينقطع على مدى السنوات الخمس الماضية، موضحاً أن المشاورات جرت على المستويين السياسي والديبلوماسي، بالإضافة إلى الحوار حول قضايا الأمن في المنطقة.
واستطرد قائلاً: «في إطار هذا الحوار، كنا نبذل كل ما بوسعنا من أجل مساعدة تركيا في وضع آلية تساعدها في لعب دور بناء في تسوية الأزمة السورية».
ورجح عبداللهيان أن تكون التحولات في سياسة أنقرة مرتبطة بالأحداث الداخلية الأخيرة، بما في ذلك عواقب الانقلاب الفاشل. وتابع: «أخذاً في الاعتبار الخطط الأميركية الفاشلة للإطاحة بالرئيس التركي (رجب طيب اردوغان) المنتخب شرعياً، من الطبيعي أن يتوجه هو وفريقه إلى مراجعة السياسة الخارجية للبلاد واتخاذ الإجراءات الضرورية لذلك. ويتعلق ذلك بالدرجة الأولى بالمستقبل السياسي لسوريا».
وتابع: «علينا في الوقت نفسه أن نكون واقعيين، فعلى الرغم من زيارة اردوغان إلى روسيا واللقاءات التي انعقدت لاحقاً على مستوى وزارتي الخارجية الإيرانية والتركية، يجب أن يمر وقت معين قبل أن تصبح التغيرات المبدئية في النهج الخارجي لأنقرة واضحة للعيان. لكنني ما زلت متفائلاً وواثقاً من أن مجمل التغيرات التي جاءت إلى العقيدة الخارجية لتركيا، ستصب في خانة السلام والاستقرار بالمنطقة».
وأوضح عبداللهيان أن الاتصالات بين تركيا وإيران شهدت تكثيفاً منذ سنتين. وتابع: «كنا نتبادل الوفود بشكل دائم، وأنا زرت أنقرة مراراً لإجراء محادثات. وكانت كل التحركات ترمي إلى إزالة الخلافات بين إيران وتركيا حول المسألة السورية على المستوى الاستراتيجي، والتوصل إلى نقاط تلاقٍ«.
وتابع أن نقطة الخلاف الرئيسية كانت آنذاك تتعلق بتباين آراء طهران وأنقرة حول المستقبل السياسي لبشار الأسد. واستطرد قائلاً: «من أجل إزالة هذه الخلافات، بذلنا مع شركائنا الأتراك جهوداً ديبلوماسية هائلة».
وفيما تشير إيران إلى أن موقف أنقرة خصوصاً بشأن الأسد لم يتغير بعد، لفت تصريح لنائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتولموش قال فيه إن من الطبيعي أن يكون للنظام السوري مكان على طاولة التفاوض في محادثات السلام.
وفي تعليقات بثها تلفزيون «إن.تي.في« على الهواء مباشرة قال قورتولموش أيضاً إن البدء في التغلب على الأزمة السورية بمساعدة روسيا سيساعد على تمهيد الطريق أمام أفق جديد للسلام في سوريا.
وفي سياق البحث العميق في الملف السوري، زار مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربية والأفريقية حسين جابري أنصاري العاصمة التركية أمس، على رأس وفد سياسي للتشاور مع نظرائه الأتراك حول قضايا المنطقة.
وتأتي زيارة الجابري استكمالًا للقاءات عدة جرت بين البلدين على مستوى وزراء الخارجية في الأسبوع الماضي، وبعد زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى تركيا في 12 آب، ولقائه بالرئيس التركي.
وزار وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو طهران بشكل مفاجئ في 19 آب الجاري، وأطلق تصريحات من هناك بأن «الأزمة السورية أصبحت معقدة وغير قابلة للحل، وأن إيران يجب أن تكون طرفاً إيجابياً في هذا الحل«، في إشارة إلى تقارب وجهات النظر بين تركيا وإيران حول سوريا.
كما تأتي الزيارات المتبادلة في ضوء أنباء تتحدث عن عقد لقاء ثلاثي يضم إلى جانبهما روسيا، لبحث الملف السوري والوصول إلى حل قريب خلال الأشهر الستة المقبلة، بحسب ما صرح رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم.
وتتزامن اللقاءات مع تغيّر في خطاب أنقرة وانخفاض حدته تجاه النظام السوري، إذ أعلن يلدريم عن قبول بلاده بقاء الأسد في مرحلة انتقالية، معتبراً في تصريحات أطلقها أول من أمس أن «الحرب في سوريا لا معنى لها«، داعياً جميع الأطراف لإيقافها.
وفي مسألة استخدام الطيران الروسي قاعدة همدان الجوية، قال رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني إن روسيا تواصل استخدام القاعدة الجوية غربي البلاد. وشدد في كلمة ألقاها أمام البرلمان أمس، رداً على اعتراض 20 برلمانياً على استخدام روسيا قاعدة عسكرية في إيران، أن إيران لم تعطِ أياً من قواعدها العسكرية لدولة أخرى، موضحاً أن «طهران وموسكو أقامتا تعاوناً وثيقاً في مكافحة الإرهاب، وهذا لصالح المسلمين في المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية.
وفي سياق متصل، صرح أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني الثلاثاء بأن الطيران الروسي تدخل أخيراً في حلب بطلب من عسكريين إيرانيين يقدمون الاستشارة إلى الحكومة السورية.
ونقلت وكالة «فارس» عن شمخاني المكلف بالتنسيق بين إيران وروسيا وسوريا في ما يشبه الإقرار بالعجز الإيراني - الأسدي عن مواجهة الثوار على الأرض، قوله إن تنفيذ عمليات في جزء من حلب بحاجة إلى دعم جوي، مضيفاً «حين يأتي هذا الدعم بطلب من المستشارين الإيرانيين وبمبادرة من روسيا، فهذا مؤشر للاقتدار وليس التبعية«.
وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة وروسيا تواصلان تحقيق «تقدم» في المحادثات بشأن تعزيز التعاون لنزع فتيل الصراع السوري لكنهما لم تتوصلا بعد لاتفاق نهائي.
وقال المتحدث باسم الوزارة مارك تونر في إفادة صحافية «نواصل هذه المناقشات. نواصل إحراز تقدم. لم نتوصل بعد (لاتفاق)«.
وميدانياً، يتحضر الجيش السوري الحر لمعركة استعادة بلدة جرابلس من يد تنظيم «داعش»، وفي هذا السياق قال وزير الخارجية التركي أمس إن تركيا ستقدم كل الدعم لعملية انتزاع السيطرة على جرابلس. وأبلغ مؤتمراً صحافياً في أنقرة أن العملية مهمة لأمن تركيا.
ودفع الجيش التركي بتعزيزات عسكرية إضافية إلى الخط الحدودي مع سوريا في ولاية غازي عنتاب جنوبي تركيا، بعد سقوط قذيفتي هاون على قضاء قارقامش المحاذي لجرابلس. وذكرت محطة (سي.إن.إن ترك) التلفزيونية أن الشرطة التركية أصدرت تعليمات أمس لسكان بلدة قارقامش بمغادرتها.
(أ ف ب، رويترز، روسيا اليوم، الأناضول)