أكدت السعودية وتركيا تطابق مواقفهما حول مجمل الملفات في المنطقة، وخصوصاً الأزمة السورية والعراق واليمن ومواجهة الإرهاب، وشددتا على أنه لا مكان لبشار الأسد في العملية الانتقالية، في وقت ظهرت مراوحة أميركية ـ روسية عند نقطة اللا حل في سوريا عبّر عنها اتصال هاتفي بين وزيري خارجية البلدين جون كيري وسيرغي لافروف، سبقه كلام روسي عن عدم التوصل إلى قاسم مشترك بعد، لكن تبعه لاحقاً الاتفاق على لقاء بين الرجلين اليوم الجمعة في جنيف.
ميدانياً، وفيما تمكنت قوات النظام مدعومة من الميليشيات الإيرانية والطائرات الروسية، من إعادة إحكام الحصار على الأحياء الشرقية في مدينة حلب بعدما تمكنت من السيطرة على حي الراموسة بالكامل، أكد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، أن عملية «درع الفرات» التي يُشارك بها «الجيش السوري الحر» لا حدود لها، في ما يبدو رداً على الانتقاد الروسي للعملية التركية.
وأكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو خلال مؤتمر صحافي أعقب محادثات في أنقرة مع نظيره السعودي عادل الجبير، تطابق وجهات نظر بلاده والمملكة العربية السعودية، في ما يتعلق بالقضايا الإقليمية. وقال: «وقف إطلاق النار، وضمان الانتقال السياسي وتحقيق الاستقرار في سوريا، واليمن والعراق يأتي في صدارة ما نأمله، وسنواصل جهودنا معاً في الفترات اللاحقة«.
ولفت جاويش أوغلو، إلى أنه بحث مع الجبير العلاقات الثنائية، وارتقاء العلاقات إلى مستوى أعلى، موضحاً إنشاء الجانبين «مجلساً تنسيقياً مشتركاً« يشمل مجالات مختلفة بينها الاقتصاد والدفاع، فضلاً عن تأسيس 8 لجان من أجل تعزيز العلاقات الثنائية، وعن عزمهما عقد أول اجتماع حول ذلك في تركيا خلال الأشهر المقبلة.
وأشار إلى أن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، يُعد من الزعماء الأوائل الذين اتصلوا برئيس بلاده، رجب طيب اردوغان، عقب المحاولة الانقلابية، مضيفاً: «أوجه شكري مرة أخرى للسعودية إدارة وشعباً جراء وقوفها إلى جانب تركيا خلال الأيام الصعبة«.
وأعرب الوزير التركي عن شكره للجبير، جراء تضامنه مع تركيا، عبر اتصال هاتفي أجراه عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف تموز الماضي. وتقدم بالشكر إلى المملكة العربية السعودية، والتدابير التي تتخذها والإمكانيات التي تحشدها، خلال فترة إداء فريضة الحج، وعبر عن امتنان مواطني بلاده الذين يقومون بأداء الحج والعمرة، بالتسهيلات التي تُقدم لهم.
وفي ما يتعلق بعملية «درع الفرات»، التي انطلقت قبل نحو أسبوعين، أكد الوزير التركي، المضي قدماً في العملية، ومواصلة دعم الجيش السوري الحر، مشيراً إلى «ضرورة إغلاق ما يسمى بجيب منبج (جنوب مدينة جرابلس) بوجه داعش، وتطهير المنطقة من العناصر الإرهابية، من أجل التمهيد لإنشاء منطقة آمنة«.
ولفت إلى تطابق رؤيته مع نظيره السعودي في ما يتعلق بالملف السوري، وعدم تولي الأسد أي دور في المرحلة الانتقالية، موضحاً أن بقاء شخص تسبب بمقتل 600 ألف إنسان من شعبه، يعني استمرار الفوضى في سوريا. وشدد على أن الأسد أضاع منذ البداية فرصة المساهمة في التحول السياسي.
وأعرب جاويش أوغلو عن عزم بلاده التعاون مع المملكة العربية السعودية، في مجال إعداد الظروف المناسبة لعودة السوريين في تركيا إلى بلادهم، في حال رغبتهم بذلك وبشكل طوعي، لافتاً إلى عودة 200 سوري إلى ديارهم أول من أمس الأربعاء.
من جانبه، أكد الجبير في الزيارة الأولى له إلى أنقرة منذ فشل الإنقلاب في تركيا قبل نحو شهرين، أن المعارضة السورية «وضعت خطة جادة وشاملة ودقيقة في ما يتعلق بالمراحل الانتقالية للوصول إلى حل سياسي في سوريا«.
وأضاف الجبير أن الخطة التي وضعتها المعارضة السورية بخصوص المرحلة الانتقالية حظيت «بتقدير ودعم كل الدول التي شاركت في اجتماع لندن (أول من) أمس، وأثبتت للعالم أجمع أن الأشقاء في المعارضة السورية مستعدون للانخراط في العملية السلمية بشكل جاد لتطبيق إرادة المجتمع الدولي المتمثل في قرار 2254 الذي يرفضه نظام الأسد«. وتابع: «موقف المعارضة واضح، وخطة الطريق واضحة»، مستطرداً: «سنرى إن كان هناك جدية لدى النظام السوري أم لا«.
وطالب الجبير بوقف إطلاق نار جاد في سوريا، وفتح المعابر لإدخال المساعدات الإنسانية إلى كل المناطق السورية، واستئناف المفاوضات بشكل جاد لتطبيق قرار مجلس الأمم المتحدة 2254«.
وحول مصير بشار الأسد، جدد وزير الخارجية السعودي موقف بلاده من مسألة بقاء الأسد، وقال «من المستحيل أن شخصاً مسؤولاً عن قتل أكثر من 400 ألف من الأبرياء، وشرد أكثر من 12 مليون من الناس، أن يكون له مستقبل في سوريا«.
وشدد في ختام حديثه على أن «المقاومة العسكرية ضد بشار الأسد ما زالت قائمة، وستستمر إلى أن يُحسم الأمر»، لافتاً إلى أن «هناك خيارين: إما حل سياسي يأتي بشكل سريع وسلس، أو حل عسكري يأتي بعد الكثير من القتل والدمار، ولكن في نهاية المطاف ستكون هناك سوريا حرة، ولا مكان لبشار الأسد فيها«.
زيارة الجبير إلى أنقرة، تزامنت مع لقاء رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، نظيره القطري، عبد الله بن ناصر بن خليفة آل ثاني، في العاصمة التركية، حيث بحثا العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين وسبل تعزيزها في مجالات التعاون المشترك كافة، كما استعرضا مستجدات القضايا الإقليمية والدولية. كذلك استقبل الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، رئيس الوزراء القطري.
وكان الرئيس التركي، قال في كلمة ألقاها خلال اجتماع في المجمع الرئاسي في العاصمة أنقرة حضره محافظو 81 ولاية تركية، إن دخول قوات من بلاده إلى سوريا هو «استجابة لدعوة الشعب السوري، ولسنا في موضع يُحتم علينا أخذ إذن من نظام قتل 600 ألف إنسان من شعبه»، وذلك رداً على انتقادات روسية لعملية «درع الفرات«.
وأضاف اردوغان: «لم يبقَ حالياً وجود لتنظيم «داعش« في مدينة جرابلس وبلدة الراعي، وهم سيهربون ونحن سنطاردهم، سنستمر في عملياتنا ضدّهم، إلى أين؟.. لا داعي للكشف عن ذلك، لنا خططنا الخاصة وتهدف إلى ضمان أمن الحدود التركية«.
وتابع اردوغان: «سرعة ونجاح عملية درع الفرات في سوريا، غيّرت نظرة الرأي العام العالمي تجاه المنطقة، ولا يمكن بعد الآن تفعيل أي سيناريو في المنطقة من دون موافقة تركيا«، مؤكداً أن منظمات «حزب العمال الكردستاني»، و»فتح الله غولن»، و»داعش»، و«وحدات حماية الشعب» الكردية السورية تُعادي تركيا وشعبها، ولا فرق بينها، متوعداً باقتلاع جميع تلك المنظمات من جذورها.
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الروسية، أن وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيره الأميركي جون كيري بحثا أمس التعاون المحتمل بين البلدين لهزيمة الجماعات الإرهابية الناشطة في سوريا.
وقال الكرملين في وقت سابق أمس إن روسيا والولايات المتحدة لم تنتهيا بعد من العمل على اتفاق مقبول من الجانبين لحل الأزمة في سوريا، وإنه توجد حاجة للتوصل إلى حل وسط بشأن عدد صغير من القضايا.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في مؤتمر صحافي عبر الهاتف «يجري الحديث بالفعل عن نوع ما من الاتفاق.. وثيقة ما ذكرها الرئيس (الروسي فلاديمير بوتين)، ولم يتم الانتهاء منها بعد، لأن بعض القضايا ما زالت بحاجة للاتفاق بشأنها«. وأضاف أن الرئيس بوتين ونظيره الأميركي باراك أوباما عقدا اجتماعاً مفصلاً بشأن سوريا خلال قمة العشرين في الصين هذا الأسبوع. وتابع «لم يتم بعد التوصل إلى حل وسط بشأن بضع مسائل عالقة» من دون أن يقدم تفاصيل.
وكان من المرجح أن يُعقد لقاء أمس بين لافروف وكيري أملاً في تجاوز الخلافات بين الطرفين.
لكن وزارة الخارجية الأميركية قالت أمس إن الولايات المتحدة لا تعتقد أن من المجدي أن يجتمع كيري ولافروف الآن بشأن وقف لإطلاق النار في سوريا. وفي المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الروسية في وقت لاحق أمس أن لافروف سيلتقي كيري في جنيف صباح اليوم الجمعة.
ولاحقاً أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن اللقاء سيتم اليوم في جنيف في محاولة للتوصل إلى اتفاق سياسي لإنهاء الحرب الأهلية السورية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي: «جاء قرارهما بعد محادثات في الآونة الأخيرة بشأن سوريا وسيركزان على خفض العنف وتوسيع إيصال المساعدات الإنسانية للشعب السوري والمضي في سبيل حل سياسي لإنهاء الحرب الأهلية».
وفي لندن، قال وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في تصريح أمس لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي)، «إذا ما تم التوصل الى اتفاق، فسيكون نتيجة عدد كبير من المراحل، ولا سيما منها وقف الأعمال العسكرية الذي يمكن أن يؤدي في النهاية الى مزيد من التعاون بين الولايات المتحدة والجيش الروسي».
وذكر كارتر بأنه عندما أعلنت روسيا عن تدخلها في سوريا، قالت إنها تريد القيام بذلك «لمحاربة الإرهاب ومحاولة إنهاء الحرب الأهلية عبر عملية انتقال سياسي». وأضاف «هذا ما لم تفعله حتى الآن. لقد أججت الحرب الأهلية والعنف، ولم تساعدنا على الاقتراب من حل سياسي يقضي باستقالة بشار الأسد وتشكيل حكومة جديدة تضم المعارضة المعتدلة لخلافته».
وقال وزير الدفاع الأميركي «في نهاية المطاف، لا يمكن أن يتوقف العنف في سوريا قبل حصول انتقال سياسي. وللروس دور أساسي في هذا المجال، وقالوا إنهم جاءوا من أجل ذلك. ويجب أن يقفوا الى الجانب الجيد من الأمور، وليس الى الجانب السيئ«. وكرر القول إن الولايات المتحدة تريد أن يستقيل بشار الأسد «في أقرب وقت ممكن».
ميدانياً، أحكمت قوات النظام والميليشيات الإيرانية حصارها للأحياء الشرقية لمدينة حلب في شمال البلاد حيث يعيش 250 ألف شخص وسط أسواق خالية من البضائع.
وسيطرت تلك القوات والميليشيات بغطاء جوي روسي مكثف، على منطقة الراموسة عند الأطراف الجنوبية لمدينة حلب، ليستعيد النظام السوري بذلك كل النقاط التي خسرها لمصلحة الثوار قبل أكثر من شهر.
وفي جهة أخرى من حلب، قال الجيش التركي أمس إنه سيطر على أربع مناطق سكنية في شمال سوريا مع مواصلته هجوماً يرمي لطرد تنظيم «داعش» من قطاع حدودي ومنع المقاتلين الأكراد من توسيع سيطرتهم بعد ذلك.
وفي مضايا المحاصرة، في ريف دمشق، أجلى الهلال الأحمر السوري أمس 11 مريضاً، بينهم أربعة أطفال، غالبيتهم مصاب بالتهاب السحايا من بلدة مضايا التي تحاصرها قوات النظام في ريف دمشق.
(الأناضول، واس، أورينت نت، رويترز، أ ف ب)