سعى الرئيسان الأميركيان، الحالي الديموقراطي باراك أوباما، وخلفه المنتخب الجمهوري دونالد ترامب، في لقائهما الأول أمس في البيت الأبيض، الى إظهار أن المعركة الانتخابية بما تخللها من مرارة وشراسة وبما خلفته من انقسامات حادة بين الأميركيين، قد انتهت مع إعلان النتائج، وأن الولايات المتحدة باتت في مرحلة انتقالية طبيعية للسلطة، فشددا على رغبتهما بالتعاون وأبديا احتراماً متبادلاً.
وفي سياق طي صفحة المعركة الانتخابية الطاحنة، كان لافتاً أمس قيام حملة ترامب بإزالة اقتراحاته الانتخابية المثيرة للجدل، وبينها دعوته الى حظر دخول المسلمين، عن موقعها على الانترنت.
وقال أوباما إنه أجرى «محادثات ممتازة» مع ترامب في المكتب البيضاوي استغرقت 90 دقيقة، وأكد استعداده لبذل كل ما في وسعه لمساعدته على النجاح.
أضاف أوباما الذي جلس الى جوار الملياردير، أن المحادثات شملت «السياسة الخارجية والسياسة الداخلية» مشدداً على استعداده القيام بعملية انتقال بأكبر قدر من الكفاءة.
وأكد أوباما أنه «مهما كانت توجهاتنا السياسية وأحزابنا، أعتقد أنه من المهم الآن أن نجتمع للعمل معاً«.
ترامب قال إنه يتطلع «بفارغ الصبر» للعمل مع الرئيس الديمقراطي والاستماع الى «نصائحه» مضيفاً «أكن له احتراماً كبيراً«. وتابع: «سيدي الرئيس، إنه لشرف عظيم أن أكون معكم، أتطلع بفارغ الصبر الى رؤيتكم في مناسبات عديدة».
وتصافح الرجلان، اللذان لم يلتقيا قبلاً في أي مناسبة، بعد حديثهما الى الصحافيين، لكنهما رفضا الرد على الأسئلة.
وهذا اللقاء أول خطوة علنية لانتقال السلطة بعد حملة انتخابية شهدت منافسة مريرة، لم يقصر فيها ترامب في تناول أوباما والحديث عنه بمنتهى العنصرية، كما لم يتأخر الأخير في الرد على ترامب ووصفه بأنه عنصري ورجل خطر جداً لا يمكن تسليمه مفاتيح السلاح النووي. لكن كل هذا الكلام الانتخابي الناري تبخر أمس تماماً، وحل مكانه التعاطي بمسوؤلية لما فيه صالح البلاد.
كما استقبل نائب الرئيس الأميركي جو بايدن خلفه مايك بنس، وتجولت السيدة الأولى المقبلة ميلانيا ترامب في جنبات البيت الأبيض في ضيافة السيدة الأولى المنتهية ولايتها ميشيل أوباما.
ونظراً لأن نصف الأميركيين لم يختاروا ترامب رئيساً لهم، قرر هؤلاء تذكيره بهذا الأمر وبأنه مسؤول عنهم أيضاً ولا يحق له تجاهل آرائهم. ولهذا السبب احتج الآلاف في مدن مختلفة بأنحاء الولايات المتحدة على فوز المرشح الجمهوري غير المتوقع بانتخابات الرئاسة وانتقدوا تصريحاته خلال حملته بشأن المهاجرين والمسلمين وجماعات أخرى.
وأمس أختفت أغلب اقتراحات ترامب المثيرة للجدل خلال حملته الانتخابية من على موقع حملته على الإنترنت، ومن بينها دعوته لحظر دخول المسلمين لبلاده وتعهده بإلغاء اتفاق باريس للحد من التغير المناخي.
واختفى رابط لاقتراحه الذي أعلنه في السابع من كانون الأول وكان بعنوان «بيان دونالد ترامب عن منع المهاجرين المسلمين» والذي دعا فيه إلى «حظر شامل وتام على دخول المسلمين للولايات المتحدة»، كما اختفت روابط أخرى تشمل قائمته للمرشحين المحتملين لرئاسة المحكمة العليا وتفاصيل معينة عن خططه الاقتصادية والدفاعية وإصلاحاته التنظيمية.
ولم ترد حملة ترامب على العديد من الرسائل الإلكترونية التي تطلب التعليق على التغييرات التي شهدها موقعها على الإنترنت.
ووفقاً لموقع يسجل صوراً للصفحات على الإنترنت فقد أزيلت تلك الروابط، في وقت يقارب يوم التصويت في ما يبدو.
كما حذفت حملته عن موقعها تعهده الأساسي المتعلق بالهجرة ببناء «جدار لا يمكن اختراقه» على الحدود مع المكسيك. وتلك ليست المرة الأولى التي تقوم فيها حملة ترامب بتغييرات من دون شرح على الموقع الإلكتروني لها على الإنترنت. فقد بدلت الحملة أيضاً هذا العام الجزء الذي يفصّل سياسة ترامب الخاصة بالرعاية الصحية بنسخة مختلفة. وعندما تواصلت «رويترز» مع الحملة في أيلول وضعت الحملة النسخة الأصلية مجدداً على الموقع.
هذا داخلياً أما دولياً، فقد بدأت طهران تعيد حساباتها حيال العلاقة بواشنطن متسائلة عن مصير الاتفاق النووي الذي أبرمته العام الماضي مع الدول الكبرى. وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أمس إن طهران تريد من جميع الأطراف أن تلتزم بالاتفاق النووي الدولي المبرم معها لكن لديها خيارات أخرى إذا لم يحدث ذلك.
وجاءت تعليقات ظريف كتحذير أول من إيران لترامب الذي توعد أثناء الحملة الانتخابية بالانسحاب من الاتفاق. وقال ظريف في مؤتمر صحافي في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا بعد اجتماع مع نظيره السلوفاكي ميروسلاف لايتشاك «بالطبع خيارات إيران ليست محدودة لكننا نأمل ونرغب ونفضل التنفيذ الكامل للاتفاق النووي الذي هو ليس اتفاقاً ثنائياً حتى يكون بمقدور أحد الأطراف أن يلغيه«.
وازداد قلق إيران عند إعلان فوز ترامب على كلينتون خصوصاً أن الأول وصف الاتفاق النووي بأنه «كارثة» و»أسوأ اتفاق جرى التفاوض عليه على الإطلاق» وحذر من أنه قد يؤدي إلى «محرقة نووية».
وقال ظريف أمس «تفضيلنا القوي كطرف ما زال يلتزم وينفذ بشكل كامل جانبه في الصفقة هو أن يستمر كل عضو من مجموعة الست في التزامه بالاتفاق». وأضاف قائلاً عندما سئل عما إذا كانت طهران ستبدأ بتخصيب اليورانيوم مجدداً إذا قررت إدارة ترامب التخلي عن الاتفاق «هذا لا يعني أنه ليست لدينا خيارات أخرى إذا قررت الولايات المتحدة الأميركية العودة عن التزاماتها بمقتضى الاتفاق». وعندما سئل عما إذا كان يأمل بعلاقة عمل جيدة مع وزير الخارجية الأميركي القادم في إدارة ترامب مثل تلك التي أقامها مع الوزير الحالي جون كيري قال ظريف «إن هذا لن يكون ضرورياً«. وتابع «كانت لدينا مفاوضات نووية مطولة بين إيران والولايات المتحدة. لا أتوقع مفاوضات أخرى. بالتأكيد ليس بشأن المسألة النووية لكن أيضاً بشأن أي موضوعات حتى أحتاج إلى إقامة النوع نفسه من الاتصال مع وزير الخارجية الجديد أياً كان».
وتقول مصادر سياسية في واشنطن إن اسم رئيس مجلس النواب الأميركي السابق نيوت غينغريتش يتردد كوزير خارجية محتمل في إدارة ترامب. وكان غينغريتش ألمح الى أنه سيعيد التفاوض مع إيران بشأن الاتفاق النووي.
أمس أيضاً، قررت موسكو الحد من حماستها تجاه وصول ترامب الى البيت الأبيض، فقد اعتبر نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن روسيا «ليست مبتهجة« بفوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، مشيراً الى أنه يمكن أن يكون «معادياً« لروسيا مثل سلفه.
وقال ريابكوف لوكالة أنباء انترفاكس الروسية: «لسنا في حالة ابتهاج. لا أريد أن نعطي الانطباع بأننا نعلق آمالاً كبيرة». وأضاف أن «المواقف من روسيا التي عبّر عنها (ترامب) وتلك التي عبّر عنها مندوبو حملته والمقربون منه تتسم بشيء من القسوة».
وأوضح نائب وزير الخارجية الروسي أن «لا سبب يحملنا على تغيير وجهة نظرنا، فقد اتسمت الحملة الانتخابية في الولايات المتحدة بتوافق الحزبين على معاداة روسيا».
وتتناقض تعليقات نائب وزير الخارجية مع تعليقات أدلى بها في وقت سابق التلفزيون الرسمي والمسؤولون الروس الذين أبدوا ترحيباً بفوز الملياردير الجمهوري. وأعرب الرئيس الروسي الذي هنأ ترامب الأربعاء بفوزه عن استعداده «لاجتياز المسافة المتعلقة به من الطريق» لإعادة علاقاته مع واشنطن، واصفاً هذه الطريق بأنها «صعبة».
وبالعودة الى ريابكوف اعترف نائب وزير الخارجية الروسي بأن الحكومة الروسية كانت على اتصال بأعضاء الفريق السياسي لترامب خلال حملة الانتخابات الأميركية وتعرف معظم المحيطين به. وكان ترامب نفى مراراً خلال الحملة أن تكون له أي علاقة بالحكومة الروسية.
لكن في تعليقات قد تمثل إحراجاً سياسياً للرئيس المنتخب قال ريابكوف إنه كان هناك بالفعل بعض الاتصالات. ونقلت إنترفاكس عن ريابكوف قوله «كانت هناك اتصالات. نفعل هذا وكنا نفعله خلال الحملة الانتخابية«. وأضاف أن اتصالات من هذا القبيل قد تستمر قائلاً إن الحكومة الروسية علمت بالأمر وكانت على اتصال بالعديد من أقرب حلفاء ترامب. ولم يذكر أسماء. وقال: «بشفافية نحن نعرف معظم الأشخاص من فريقه (ترامب). هؤلاء الأشخاص كانوا دائماً في دائرة الضوء في الولايات المتحدة وشغلوا مناصب رفيعة. لا أستطيع القول إنهم جميعاً ولكن بعضهم لا يزال على اتصال بممثلين روس». وأضاف أن موسكو بدأت للتو دراسة كيفية إقامة المزيد من القنوات الرسمية للاتصال بالإدارة القادمة لترامب. ولم ترد ناطقة باسم ترامب على طلب للتعليق على هذه التصريحات.
(أ ف ب، رويترز)