عادت المفاوضات في جنيف الى نقطة الصفر أمس، مع تلاشي رهان المعارضة السورية على دور روسي إيجابي في الضغط على نظام دمشق للدخول بجدية في بحث القضايا السياسية الأساسية، إذ لم تمتنع موسكو عن لعب هذا الدور وحسب، بل إنها حمّلت المعارضة مسؤولية «تقويض الحوار».
هذا التطور في جنيف ترافق مع متغيرات ميدانية هدفت الى تكبير دور «جيش الأسد» إذ أخلى «داعش» له مدينة تدمر التاريخية، في عملية وصفتها المعارضة بـ«تسليم وتسلم» وشبهتها بـ«لعبة توم وجيري»، فيما أعلنت فصائل كردية مدعومة من واشنطن اتفاقها مع روسيا على «تسليم» قوات النظام عدداً من القرى الواقعة على تماس مع مناطق سيطرة الثوار المدعومين من تركيا في شمال سوريا.
الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا قالت للصحافيين إن «الهيئة العليا للمفاوضات ترفض التعاون على مستوى متساوٍ مع منصة موسكو ومنصة القاهرة وتقوض، بحكم الأمر الواقع الحوار تارة مع وفد النظام، وطوراً مع مجموعات المعارضة الأخرى».
ومنصتا القاهرة وموسكو تضمان «معارضين» سوريين مقربين من روسيا.
أضافت زاخاروفا: «نلاحظ بأسف بعد الأيام الأولى للحوار بين الأطراف السورية، أن قدرة المعارضة على التفاوض تثير تساؤلات».
وأعلنت زاخاروفا أيضاً أن روسيا مستعدة لتوسيع برنامج محادثات آستانة الذي يعطي الأولوية لحوار بين موفدين عن النظام وعن الفصائل المقاتلة وتعطي المعارضة مجرد دور استشاري.
وسارع رئيس وفد النظام السوري بشار الجعفري الى التقاط الفرصة الروسية، فاتهم الهيئة العليا للمفاوضات المعارضة بأخذ المفاوضات «رهينة» لرفضها إدراج موضوع الإرهاب على جدول الأعمال، وحملها مسؤولية فشل مفاوضات جنيف برعاية الأمم المتحدة.
والتقى وفد الهيئة العليا للمفاوضات أمس مع مبعوث الأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، وناقش معه الانتقال السياسي وكافة القضايا العملية المتعلقة بذلك.
وقال عضو الهيئة السياسية في الائتلاف الوطني حواس خليل إن «جلسات التفاوض مع دي ميستورا تضمنت نقاشاً مطولاً حول الانتقال السياسي وما يتضمنها من قضايا ذات أهمية لإنجاز ذلك».
ولفت خليل من جنيف، وهو عضو في بعثة الهيئة العليا للمفاوضات، إلى أن «القضاء على الإرهاب يجب أن يكون التزاماً صارماً وليس أمراً محل تفاوض»، وأكد أن الوفد المفاوض يسعى من خلال الانتقال السياسي لأن تكون سوريا آمنة مستقرة، مصراً على أن ذلك «السبيل الأساس لإنهاء الإرهاب وجرائم الحرب التي ارتكبت في سوريا بشكل يومي على يد الإرهاب العابر للحدود والميليشيات الإرهابية الإيرانية».
وحول اللقاء مع نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف في جنيف، أوضح عضو الهيئة السياسية وبعثة الهيئة العليا أسامة تلجو أن المعارضة «خاضت نقاشاً بناء مع الطرف الروسي حول أهمية الانتقال السياسي، والذي يُشكل الأساس لإنهاء الصراع، وتخليص سوريا من الإرهاب والاستبداد معاً، وطرد الاحتلال ومنظمات الموت من كافة الأراضي السورية».
وقال تلجو: «إذا قامت روسيا، كونها تعتبر نفسها جهة ضامنة لوقف إطلاق النار، بوضع ثقلها خلف الانتقال السياسي، فإن ذلك سيساعد على دفع العملية السياسية نحو الأمام»، موضحاً أن المعارضة ركزت على «أهمية ضمان التنفيذ الكامل لوقف إطلاق النار»، وأثارت موضوع الخروق المستمرة.
يُشار إلى أنه لم يسبق أن اجتمعت المعارضة مع المسؤولين الروس في محادثات جنيف. وقال ديبلوماسيون إن الاجتماع «قد يسبب إزعاجاً للأسد حليف موسكو الذي يعتبر خصومه إرهابيين».
وأعرب رئيس وفد المعارضة السورية نصر الحريري، أمس، عن الأمل في أن «يصحح» الرئيس الأميركي دونالد ترامب «الأخطاء الكارثية» لسلفه باراك أوباما «لكي يصبح شريكاً يعوّل عليه في مواجهة إيران الشيطانية».
وقال الحريري في تصريح عقب الاجتماع مع دي ميستورا إن «الشعب السوري دفع ثمناً باهظاً بسبب الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها إدارة أوباما»، مضيفاً: «أوباما كذب ولم يفِ بأي من وعوده للشعب السوري، ورسم خطوطاً حمراء محاها بنفسه، وظل صامتاً عن الجرائم التي ارتكبها بشار الأسد».
وترى المعارضة السورية، وفقاً للحريري، أن لديها أرضية مشتركة مع ترامب لأن الطرفين يريدان محاربة الإرهاب والحد من نفوذ إيران، مؤكداً أن على واشنطن أن تدعم المعارضة. واضاف أن «المعارضة تريد أن تبني الولايات المتحدة مواقفها على معلومات حقيقية، وأن يكون لها دور نشط في المنطقة ولتصحيح الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها إدارة أوباما».
في المتغيرات الميدانية، انسحب مقاتلو «داعش» أمس، من قسم كبير من مدينة تدمر الأثرية في وسط سوريا، وفق ما أفاد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن.
وقال عبد الرحمن لوكالة فرانس برس: «انسحب التنظيم من غالبية مدينة تدمر بعد تلغيمها بشكل مكثف. ما زال هناك انتحاريون موجودون في الأحياء الشرقية»، مضيفاً أن «قوات النظام لم تستطع أن تدخل عمق المدينة أو الأحياء الشرقية». وأوضح أنه لم يعد هناك مقاتلون في القسم الأكبر من المدينة الأثرية في جنوب غرب تدمر لكنها «ملغمة بشكل كثيف».
وكانت موسكو أعلنت أمس، سيطرة قوات النظام وميليشياته مدعومة بالطيران الروسي، على كامل مدينة تدمر.
المعارضة السورية اعتبرت مشهد تبادل السيطرة المتكرر على المدينة يدعو للسخرية.
وقال الحريري للصحافيين: «في موضوع تدمر هذه المرة الثانية التي يتم فيها التسليم والتسلم ويتم استثمار هذه العملية استثمارات سياسية اعتقد أنها أصبحت مكشوفة»، مضيفاً أنه يعتبر الجانبين إرهابيين. أضاف: «إذا تتبعنا لعبة الأسد وتدمر مثل لعبة توم وجيري أعتقد أنها ستكون كثيرة».
في الوقت نفسه، أعلنت فصائل كردية وعربية تدعمها واشنطن في بيان أمس، اتفاقها مع روسيا على «تسليم» قوات النظام السوري عدداً من القرى الواقعة على تماس مع مناطق سيطرة القوات التركية والفصائل المعارضة القريبة منها في شمال سوريا.
ويأتي إعلان «قوات سوريا الديموقراطية» المفاجئ والأول من نوعه لناحية تسليم مناطق الى دمشق، بعد معارك خاضتها هذه القوات في الفترة الأخيرة ضد الفصائل المعارضة المنضوية في حملة «درع الفرات» المدعومة من تركيا شرق مدينة الباب في ريف حلب الشرقي.
وقال المجلس العسكري لمنبج وريفها المنضوي في صفوف «قوات سوريا الديموقراطية» في بيان أمس: «نعلن أننا قد اتفقنا مع الجانب الروسي على تسليم القرى الواقعة على خط التماس مع درع الفرات.. الى قوات حرس الحدود التابعة للنظام السوري».
والقرى المعنية، وفق البيان، «محاذية لمنطقة الباب» التي تمكنت الفصائل المعارضة من السيطرة عليها الخميس الماضي بعد طرد «داعش» منها. كما تقع غرب مدينة منبج القريبة من الحدود التركية.
ومن المقرر وفق الاتفاق، أن تتولى قوات النظام السوري «مهام حماية الخط الفاصل بين قوات مجلس منبج العسكري ومناطق سيطرة الجيش التركي ودرع الفرات».
وأدرج مجلس منبج العسكري قراره في إطار «حماية المدنيين.. وحفاظاً على أمن وسلامة مدينة منبج وريفها وقطع الطريق أمام الأطماع التركية باحتلال المزيد من الأراضي السورية».
وأطلقت فصائل «درع الفرات» أول من أمس، أولى عملياتها نحو مدينة منبج، وتمكنت من الاستيلاء على على قريتين كانتا تحت سيطرة مجلس منبج العسكري. إلا أن الأخير تمكن أمس من استعادة القريتين، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وبعد ساعات من الإعلان عن الاتفاق أمس، هددت تركيا بضرب المقاتلين الأكراد في حال لم ينسحبوا من منبج التي تقع شمال شرق الباب وتبعد عنها نحو 45 كيلومتراً.
وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو لصحافيين في أنقرة: «قلنا من قبل إننا سنضرب وحدات حماية الشعب الكردية إذا لم تنسحب» من منبج الواقعة قرب الحدود التركية. وأضاف أن انسحاباً مماثلاً يجب أن يتم «في أسرع وقت ممكن».
وتابع وزير الخارجية التركي «لا نريد أن يستمر حليفنا الأميركي بالتعاون مع منظمات إرهابية تستهدفنا»، لافتاً إلى أن أنقرة «تناقش مع الولايات المتحدة سبل عملية الرقة، وكيف يمكن لبلدان التحالف مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا توفير الدعم الجوي».
(أ ف ب، رويترز، الائتلاف، السورية.نت،
زمان الوصل، كلنا شركاء)