بعد الزلزال السياسي الذي أحدثه قرار بريطانيا الخروج من الإتحاد الأوروبي ووصول دونالد ترامب الى الرئاسة في الولايات المتحدة، حبست أوروبا أنفاسها، في انتظار نتائج الإنتخابات التشريعية الهولندية التي تُعد مقياساً لمدى تصاعد حركة الشعبويين، في سنة إنتخابية تشهدها دول أوروبية عدة. والسؤال الذي يطرح نفسه، لماذا فشل حزب الحرّية اليميني المتطرّف بزعامة غيرت فيلدرز في التقدّم على رئيس الوزراء الليبرالي مارك روتي؟الشعب الهولندي لا يختار تأييد حزب على سواه فقط وفقاً لقناعاته السياسية بل «يخاطب ضميره في آخر لحظة»، في نظر الكاتب والمحلل السياسي الهولندي من أصل مغربي نور الدين العمراني.
ويقول العمراني في اتصال هاتفي مع «الجمهورية»: «أكثر من ربع الناخبين كانوا مترددين في التصويت للحزب الليبرالي أو اليمين المتطرف، ولكن عند الإنتخاب، الاصوات توزّعت بالتساوي بين الحزبين اليميني المتطرّف والليبرالي»، والتي أسفرت عن فوز رئيس الوزراء الليبرالي مارك روتي، على رغم تصاعد قوة اليمين الشعبوي المتطرّف الذي حلّ ثانياً.
وبعدما ركّز فيلدرز لفترة طويلة على أفكار معاداة الإسلام والإتحاد الأوروبي ومناهضة الهجرة والنظام القائم، فضّل الناخبون الهولنديون التصويت لمَن يمثّل الإستقرار الإقتصادي الذي يوفّره الليبراليون.
فالتهويل الإعلامي والسياسي بأنّ فيلدرز سيكون الزعيم الأول حسب العمراني دفع الشعب الهولندي الى التيقّظ.
فلم يتمكّن فيلدرز من الحصول على المقاعد الـ36 التي كانت تتوقعها استطلاعات الرأي، أو من بلوغ الرقم القياسي الذي حققه عام 2010، حين فاز بـ 24 مقعداً.
فحصل حزب الحرّية الذي يتزعّمه فقط على 20 مقعداً، إثر فرز 97 في المئة من الأصوات.
من جهته، يعتبر النائب الهولندي مالك ازامي في اتصال هاتفي مع «الجمهورية» أنّ فوز الليبيراليين مرده الثقة التي يحظى بها حزبه لدى الشعب الهولندي من جهة، وتخوّف الجميع من الشعبوية التي تهدد سلامة البلاد وتدمّر اقتصاده، وتفسد علاقات هولندا مع البلدان التي تربطنا بها شراكات اقتصادية من جهة وسياسية من جهة أخرى».
وإذ شكر ازامي الشعب الهولندي على الثقة واليقظة معاً للاستمرار في تنفيذ المشاريع السياسية والاقتصادية للحكومة المقبلة، أبدى أسفه لتراجع حزب العمال، الحليف في الحكومة الهولندية، وخصوصاً أنّ التعاون خلال التحالف الحكومي كان متّزناً، على رغم الصعوبات الاقتصادية والأزمة الداخلية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
فالعماليون منيوا بخسارة دراماتيكية، إذ تراجع عدد نوابهم من 38 الى 9، بعد أن كانوا يُعتبرون من الاحزاب التاريخية التي ساهمت في تقدم النضال في هولندا.
وروتي الذي حصل حزبه على 33 مقعداً، اعتبر أنّ الهولنديين أوقفوا بتصويتهم هذا المدّ الشعبوي الذي بدأ مع قرار البريطانيين الخروج من الإتحاد الأوروبي، ثم مع انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، في حين يرى العمراني أنّ من الخطأ المقارنة بين انتخابات هولندا وأميركا حيث فاز الرئيس دونالد ترامب. ويقول: في أميركا هناك حزبان كبيران يتصارعان على السلطة، أمّا في هولندا من أصل 28 حزباً، 6 أحزاب تتنافس على الحلبة السياسية».
ويعزو عدم حصول اليمين المتطرّف على المرتبة الأولى إلى تقدّمه الى الانتخابات بورقة عمل واحدة وتركيزه على خطر اللاجئين، ما أثار حنق البعض كون الحزب يُفترض أن يقدّم برنامجاً يُنتخب على اساسه،
وهو ما اعتبره الشعب الهولندي استهتاراً به، فضلاً عن الأزمة التركية- الهولندية التي أرخت بظلالها على نتائج الإنتخابات التشريعية، من دون إغفال تخوّف الأقليات على وجودها.
ويعزو نسبة المشاركة الكبيرة التي بلغت 81 في المئة وهي الأعلى في الانتخابات الهولندية منذ 30 عاماً، إلى سياسة «التشبيب» التي استخدمها حزب «الخضر» اليساري، الذي يترأسه ياسك كلاسفر، وقد اثّر بشكل كبير على الشباب في هولندا، بعد أن كانوا يمتنعون عن التصويت، فللمرة الاولى في تاريخ الحزب حصل على 14 مقعداً، وهو يعدّ انجازاً تاريخياً له.
ويختم العمراني بالتمييز بين الإنتخابات الهولندية والرئاسية الفرنسية في نيسان والبرلمانية الألمانية في أيلول. ويقول: «ألمانيا لها سياق أخر مختلف عن هولندا، الألمان أقرب الى ممارسة السياسة، الهولنديون متسامحون، وعاطفيون يتأثرون بالإعلام والبرامج التلفزيونية في ممارسة حقهم الإنتخابي ولا يريدون العودة الى الحروب.
وقد يكون لشخصية المستشارة أنجيلا ميركل تأثير نسبي»، مستبعداً أن يقبل الشعب الفرنسي «برئيسة متطرّفة»، في وقت تشير استطلاعات الرأي الى أنّ مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن ستصل الى الدورة الثانية.
(مي الصايغ - الجمهورية)