يبدو واضحاً أنّ المجتمع الغربي بدأ يتفهّم ما يُطالب به لبنان منذ فترة، بالنسبة لمسألة «إقامة مناطق آمنة للنازحين في سوريا»، وذلك بهدف تخفيف الكثير من الأعباء التي تتكبّدها دول الجوار جرّاء استضافة الملايين منهم. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تعهّد في كانون الثاني الماضي بأن تكون الحرب على تنظيم «داعش» أولوية، تعهّد أيضاً بإقامة مناطق آمنة للنازحين في سوريا. وكرّر وزير خارجيته ريكس تيلرسون منذ أيّام من واشنطن «إنّ الولايات المتحدة ستقيم «مناطق إستقرار مؤقّتة» لمساعدة اللاجئين في العودة الى ديارهم خلال المرحلة القادمة من المعركة ضدّ تنظيمي «داعش» و«القاعدة».
ولم يحدد تيلرسون الأماكن المقرّرة لإقامة تلك المناطق، كما أنّ البيان النهائي الصادر في ختام الإجتماع الذي ضمّ مسؤولين من 68 بلداً لبحث تسريع الحرب ضدّ «داعش» لم يُشر إلى احتمال إقامة مناطق آمنة، غير أنّ أوساطاً ديبلوماسية مراقبة تجد في هذا الموقف الأميركي ما يُلائم موقف لبنان ويدعمه لا سيما فيما سيحمله معه الى مؤتمر بروكسل المقرّر عقده في 5 نيسان المقبل تحت عنوان «دعم مستقبل سوريا والمنطقة»، ويترأسه الإتحاد الأوروبي وألمانيا والكويت والنروج وقطر وبريطانيا والأمم المتحدة بصورة مشتركة.
وأشارت الأوساط الى أنّ اللجنة الوزارية برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري التي شُكّلت لمواجهة أزمة النازحين السوريين، ستضع اللمسات الأخيرة على ورقة سياسة الحكومة اللبنانية بهذا الخصوص التي ستفنّد وقع الأزمة والتي سيُعلنها الحريري أمام مسؤولين وزاريين من 70 وفداً من الاتحاد الأوروبي والمنطقة وكذلك من الأسرة الدولية والأمم المتحدة، وكبرى الجهات المانحة والمجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية والتنموية المشاركة فيه، لتقليص أعداد النازحين السوريين في لبنان. وسيقوم بالمطالبة بزيادة المساعدات التي يُقدّمها المجتمع الدولي للبنان، ليتمكّن من تحمّل الأعباء المالية والمعيشية والاقتصادية والأمنية والإجتماعية التي ترتّبها استضافته لأكثر من مليون ونصف نازح سوري على أراضيه، وذلك الى حين تأمين عودتهم الآمنة الى بلادهم التي يأمل لبنان أن تتمّ في أسرع وقت ممكن.
وتجد الاوساط بأنّه بمجرّد موافقة المجتمع الدولي على ما تنادي به الولايات المتحدة ودول التحالف، وكذلك لبنان من إقامة مناطق آمنة للنازحين السوريين، وخير دليل على ذلك سيظهر من خلال مواقف دول الإتحاد الأوروبي وجميع المجتمعين في مؤتمر بروكسل، وكيفية تعاطيهم مع هذا الإقتراح، فإنّ ذلك وحده كفيل بعودة عدد كبير من النازحين في لبنان، لا سيما أولئك الذين يعيشون في الخيم وسط أوضاع إجتماعية بائسة. وستُشكّل هذه المبادرة خطوة أولى على طريق عودة النازحين الآخرين الذين يسكنون في منازل مستأجرة بشكل تدريجي، لا سيما إذا ما أصرّ الإتحاد على ضرورة إنهاء إرهاب التنظيم المتشدّد، لا سيما بعدما ضرب غالبية دول الإتحاد، وبريطانيا أخيراً وإن كانت قد خرجت منه.
ويستند الحريري في كلمته أمام المجتمعين في بروكسل الى ما ورد في تقرير صندوق النقد الدولي الأخير حول الإقتصاد اللبناني الذي نصّ على أنّ «وجود النازحين في لبنان زاد من عجز بنيته التحتية، وثمّة حاجة فورية لزيادة الإستثمارات والتنمية التي توفّر فرص العمل، وأنّ ذلك يتطلّب دعماً متواصلاً من المجتمع الدولي». لينطلق الى تعداد ما لحق به جرّاء استقباله هذا العدد الكثيف من النازحين السوريين على أراضيه، من تراجع في نسب النمو الإقتصادي، الى زيادة نسب العجز والمديونية والبطالة والفقر الى مستويات غير مسبوقة لدى اللبنانيين، فضلاً عن تعرّض الخدمات العامة والبنى التحتية الى ضغوط هائلة تفوق طاقاتها.
وتؤكّد الاوساط بأنّ لبنان سيلقى استمرار دعم الدول المانحة له في العام الحالي، فضلاً عن دعم مشاريعه الإستثمارية التي تهدف لأن يُشكّل منصّة إنطلاق لإعادة إعمار سوريا، الأمر الذي سيوفّر فرص عمل كثيرة للشباب اللبناني. غير أنّ الأكثر أهمية هو السعي الجدّي من أجل إيجاد الحلّ السياسي للأزمة السورية في أسرع وقت ممكن، وعودة الأمن والإستقرار اليها لكي يستفيد لبنان من هذه الأوضاع المناسبة له كبلد جوار عانى ولا يزال يعاني حتى الآن، من تداعيات الأزمة عليه، إن على صعيد النزوح الكثيف الذي أنهك قواه، أو على صعيد الإرهاب الذي أدخله مرّات عدّة في وضع أمني غير مستقرّ.
وسيدعو لبنان الدول المجتمعة في بروكسل، على ما كشفت الاوساط، لمواجهة تداعيات الأزمة السورية عليه، وعدم الإكتفاء بدعمه معنوياً لما قام به من جهود جبّارة في استضافة عدد كبير من النازحين يوازي نصف سكّان شعبه، بل تهنئته أيضاً على تنفيذ كلّ ما تعهد به في اجتماعات لندن التي عُقدت في العام الماضي، كذلك اتخاذ المؤتمر توصية بتأييد فكرة الحكومة اللبنانية للقيام ببرنامج إستثماري لإعادة تأهيل البنى التحتية لثماني سنوات مقبلة. فضلاً عن صدور توصية بضرورة عمل الأسرة الدولية على إقامة مناطق آمنة في سوريا لبدء عودة النازحين من دول الجوار ولا سيما من لبنان، وشطب أو حذف ما كان يُقترح في السابق من دمج (أو توطين) النازحين في المجتمعات المضيفة لعدم موافقة هذه الأخيرة على ذلك، ولعدم وجوب تشريد الشعب السوري في دول العالم بدلاً من إعادته الى بلاده.
وأملت الأوساط نفسها أن يُساهم مؤتمر جنيف 5 في تسريع الحلّ السياسي في سوريا، الأمر الذي سينعكس إيجاباً ليس على لبنان ودول المنطقة فحسب، إنّما على كلّ الدول الأوروبية التي تُعاني من الهجرة غير الشرعية اليها، لا سيما من سوريا. فضلاً عن تسرّب بعض الإرهابيين بين المهاجرين الى القارة الأوروبية وقيامهم بعمليات تفجيرية في كلّ من فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وألمانيا وسواها.