عبرت الولايات المتحدة عن «قلقها العميق» إزاء ضربات جوية نفذتها طائرات تركية في سوريا والعراق، وقالت إن أنقرة لم تحصل على موافقة التحالف الذي تقوده واشنطن ويُقاتل تنظيم «داعش»، إلا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكد أن بلاده أبلغت شركاء بينهم أميركا وروسيا وكردستان العراق قبل العملية ضد الأكراد في سنجار في العراق، حيث عبرت وزارة الخارجية العراقية في بيان لها عن رفضها واستهجانها لما وصفته «بالاعتداء العسكري التركي» على منطقة جبل سنجار.
فقد شن الطيران التركي غارات جوية على مواقع للقوات الكردية في شمال شرق سوريا، موقعاً عشرين قتيلاً على الأقل، في تصعيد دفع الأكراد الى مطالبة التحالف الدولي الداعم لهم بالتدخل لوقف الهجمات التركية.
وأعلنت تركيا أيضاً استهداف «مجموعة إرهابية» متحالفة مع حزب العمال الكردستاني في شمال غرب العراق، حيث قتل ستة عناصر من قوات البيشمركة الأكراد كانوا في المكان المُستهدف.
وأفادت وحدات حماية الشعب الكردية في بيان أن «طائرات حربية تركية قامت بشن هجوم واسع النطاق على مقر القيادة العامة لوحدات حماية الشعب حيث مركز الإعلام والإذاعة ومركز الاتصالات وبعض المؤسسات العسكرية» في محافظة الحسكة.
ويقع المقر بالقرب من مدينة المالكية الواقعة في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا.
وشاهد مراسل مقاتلين من وحدات حماية الشعب فوق الأنقاض يراقبون حجم الدمار الذي طال المكان، حيث تحطمت سيارات بشكل كامل، وانهار الجزء العلوي من أحد أعمدة الإرسال.
وعملت الجرافات على رفع الأنقاض في الموقع الذي علت فيه أعلام الوحدات الصفراء اللون وتتوسطها نجمة خماسية حمراء. وتجمع عشرات الأشخاص، من نساء ورجال، قرب الموقع المستهدف. وهتف هؤلاء «يسقط اردوغان» و«تعيش يي بي جي» (مختصر وحدات حماية الشعب بالانكليزية).
وأوقع القصف وفق ما قال المتحدث الرسمي باسم الوحدات ريدور خليل «عشرين شهيداً و18 جريحاً من مقاتلي الوحدات، ثلاثة منهم في حالة حرجة، بالإضافة الى إصابة مدنيين اثنين بجروح».
وأعلن الجيش التركي في بيان أن غاراته هدفت الى «تدمير أوكار الإرهاب التي تستهدف بلادنا»، مؤكداً عزمه مواصلة العملية «حتى يتم تحييد آخر إرهابي».
وقال الرئيس التركي في مقابلة مع «رويترز» إن تركيا لن تسمح بتحول منطقة سنجار بشمال العراق إلى قاعدة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني، وإنها ستواصل عملياتها العسكرية هناك وفي شمال سوريا «حتى القضاء على آخر إرهابي».
وتابع إردوغان في مقابلة بالقصر الرئاسي في أنقرة «نحن ملتزمون باتخاذ إجراءات وينبغي علينا اتخاذ خطوات ولقد أبلغنا الولايات المتحدة وروسيا بذلك والعراق أيضاً». وتابع يقول «إنها عملية أبلغنا بها (رئيس إقليم كردستان العراقي مسعود) البارزاني».
وقال إنه يأسف لمقتل عدد من أفراد قوات البيشمركة الكردية العراقية المنتشرة أيضاً في سنجار خلال العملية التركية وأوضح أن التحرك التركي غير موجه إلى «البيشمركة مطلقاً».
وتسببت الغارات التركية على مواقع في جبال سنجار في شمال غرب العراق، بمقتل ستة عناصر من قوات الأمن الكردية، وفق ما ذكر الأمين العام لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق جبار ياور.
وبحسب ياور، كان القصف يستهدف مقاتلين أيزيديين متحالفين مع حزب العمال الكردستاني، وبالتالي أصاب «عن طريق الخطأ» قوات تابعة لحكومة اقليم كردستان.
واعتبر قيادي كردي سوري رافضاً الكشف عن اسمه أنه «من غير المعقول أن نحارب على جبهة بأهمية الرقة (معقل تنظيم «داعش» في سوريا) ويقصفنا الطيران التركي في ظهرنا».
وقال شاهد من «رويترز» إن ضابطاً في الجيش الأميركي رافق قادة من «وحدات حماية الشعب» في جولة على المناطق التي تعرضت للقصف التركي في وقت لاحق أمس، ما يوضح الشراكة الوثيقة.
وفي الولايات المتحدة، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية مارك تونر تعليقاً على هذه الضربات «نشعر بقلق عميق إزاء قيام تركيا بشن ضربات جوية في شمال سوريا وشمال العراق من دون تنسيق مناسب سواء مع الولايات المتحدة أو التحالف الدولي الأوسع لهزيمة داعش».
وقال تونر في مؤتمر عبر الهاتف مع الصحافيين «عبّرنا عن تلك المخاوف لحكومة تركيا مباشرة. التحالف لم يوافق على هذه الضربات التي أدت إلى خسائر مؤسفة للأرواح في صفوف قوات شريكة لنا في قتال داعش».
وأضاف أنه في حين أن الولايات المتحدة تدرك مخاوف تركيا إزاء حزب العمال الكردستاني، فإن الضربات الجوية عبر الحدود تُضر بجهود التحالف لمكافحة التنظيم المتشدد.
وأضاف «ندرك مخاوفهم إزاء حزب العمال الكردستاني لكن هذه النوعية من التحركات بصراحة تضر بجهود التحالف لملاحقة داعش وتضر بشركائنا على الأرض الذين يخوضون هذه المعركة».
وعبرت وزارة الخارجية العراقية في بيان لها عن رفضها واستهجانها لما وصفته «بالاعتداء العسكري التركي» على منطقة جبل سنجار، معتبرة أنه خرق سافر للمواثيق والمعاهدات الدولية ومبادئ حُسن الجوار.
كما أكدت على السيادة العراقية، معتبرة أن الضربات التركية «تعكس سياسة لا يمكن القبول بها أو السكوت عنها». ودعت الخارجية المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حازم وحاسم تجاه التصرف التركي، مؤكدة أن «العراق سيتبع كافة الطرق القانونية والديبلوماسية وغيرها لإدانة هذا الاعتداء وضمان عدم تكراره».
وقال الخبير الأمني التركي عبدالله أغار، إن القصف المتزامن الذين شنته مقاتلات تركية على مواقع منظمة «بي كا كا» بسوريا والعراق يُعد عملية «غير مسبوقة من شأنها تغيير المعادلات والموازين على الأرض».
وتابع الخبير الأمني أن العملية لم تقتصر على قصف بطائرتين أو ثلاث طائرات، وإنما شاركت فيها أسراب مختلفة من المقاتلات. ولفت إلى أن العملية جرت بسرية تامة، واستهدفت مواقع تقصفها تركيا للمرة الأولى.
واعتبر أغار أن هذه العملية مختلفة عن سابقاتها، وتحمل رسالة قوية، وستكون لها تأثيرات سياسية، فضلاً عن البعد العسكري.
وتابع كبار القادة العسكريين الأتراك يتقدمهم رئيس الأركان خلوصي أكار، العملية من مقر هيئة الأركان.
وقالت رئاسة الأركان في بيان، إن «منظمة بي كا كا الإرهابية وامتداداتها في سوريا والعراق قامت بشكل مكثف خلال الفترة الأخيرة باستخدام سوريا وشمال العراق، من أجل إدخال الإرهابيين والسلاح والذخيرة والمواد المتفجرة إلى تركيا».
وشدد البيان على أن الجيش التركي وقوات الأمن يشنون بعزم وإصرار عملية شاملة لمكافحة الإرهاب ضد منظمة «بي كا كا» الإرهابية، داخل الحدود التركية، وخارجها - عندما يقتضي الأمر - مضيفاً أن العملية ستستمر إلى أن يتم تحييد آخر إرهابي.
وقال الجيش التركي إن المنطقتين اللتين قصفهما أصبحتا «مركزين للإرهاب» وإن الهدف من الضربات كان منع حزب «العمال الكردستاني» من إرسال أسلحة ومتفجرات لشن هجمات داخل تركيا.
وأكدت وزارة البيشمركة في إقليم كردستان العراق في بيان أن «المشاكل والتوترات كلها ناجمة عن وجود حزب العمال الكردستاني، ووجودهم في هذه المنطقة يتسبب بحدوث أوجاع ومعضلات لأهالي المنطقة وإقليم كردستان وعلى الرغم من مطالبات جميع الأطراف لهم بإخلاء جبل سنجار، لكنهم لم يصغوا لأحد».
وشدد الحزب الديموقراطي الكردستاني (بزعامة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني) على أن قصف جبل سنجار من قبل المقاتلات الحربية التركية «ناجم عن الوجود اللاشرعي والمفروض من حزب العمال الكردستاني في إقليم كردستان».
وقال الأمين العام لوزارة البيشمركة في حكومة إقليم كردستان العراق، جبار ياور إن الغارة كانت تستهدف مقاتلين أيزيديين متحالفين مع حزب «العمال الكردستاني» تعتبرهم أنقرة «إرهابيين». وبالتالي، أصابت عن طريق الخطأ البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان. وأكدت وزارة البيشمركة أن الهجوم «غير مقبول»، لكنها حملت حزب «العمال الكردستاني» المسؤولية بسبب وجوده هناك وطالبته بالخروج من سنجار.
(رويترز، أ ف ب، الأناضول، العربية.نت، «المستقبل»)