إنتهت المرحلة السابقة، بتعثر واضح للمشروع. رغم تقدم البدايات، لم تنفع كل جهود الولايات المتحدة وحلفائها العرب والاوروبيين، حماية النظامين «الأخوانيين» في مصر وتونس. ولم تستطع السيطرة الكاملة على العراق، بل حققت وحدة العراق تقدماً ملحوظاً في معركة الموصل ولو أنه مهدد حتى الآن، بطبيعة القوى التي واجهت الارهاب وغياب مشروع وحدوي حقيقي، من أجل عراق ديمقراطي موحّد، يحترم التنوع والتعدد داخله.
وشعب اليمن، صامد، بوجه أعتى أنواع الأسلحة، وكذلك الشعب والجيش في سوريا. وتحقق المقاومة والجيش تقدماً حاسماً في وجه الارهاب في جرود عرسال.
وكما حددت كلمة «أوباما» في القاهرة، معالم المشروع للمرحلة الماضية وكذلك رسمت أدوار عناصره. فأن قمم السعودية الأخيرة، حددت القوى التي كلّفتها الولايات المتحدة الأميركية تنفيذ المرحلة المقبلة من المشروع التفتيتي. واشترت المملكة السعودية، بكلفة عالية دوراً لها في إطار المشروع، على حساب المحور القطري-التركي.
وإذا نظرنا للثمن، فأن المملكة السعودية، دفعت مباشرة للولايات المتحدة الأميركية، 500 مليار دولاراً، دفعة مباشرة من ثمن دورها من جهة وأيضاً، دفعة على حساب تثبيت «ذريّة آل سلمان» خلال المرحلة المقبلة في قيادة السعودية.
والجانب المهم في «توزيع العمل» ضمن المشروع الأميركي في هذه المرحلة، هو تظهير الدور «الاسرائيلي» الذي كان خلفياً، وإعطائه بعداً راهناً وخطيراً سواء على المستوى العربي العام وبشكل خاص، دوراً مباشراً، في سوريا ولبنان وبالتأكيد على مستوى القضية الفلسطينية.
وأول مظاهر الدور الجديد للتحالف السعودي- الاسرائيلي في تشكله كرأس حربة للمرحلة الراهنة، في محاولة فشل المشروع الأميركي من عثرته. تمثلت في سوريا، من خلال الاستفادة من الموقع الجغرافي للوجود الكردي، والايحاء بامكانية إعطاء الأكراد حقاً في بناء دولتهم المستقلة إنطلاقاً من دورهم في سوريا.
إن محاولة زج الأكراد في صدام مباشر مع وحدة سوريا، ليست جديدة ويتحمل مسؤوليتها الأساسية الأنظمة المتتالية في العراق وسوريا كما أنظمة الحكم في إيران وبشكل خاص في تركيا. إن التعاطي «العنصري» مع الأكراد وعدم التعاطي معهم، كشعب له حقوقه وخصائصه واستكمال الحرمان والقمع التاريخي، خلق حالة مواتية لبعض قادتهم للمراهنة على التحالف مع أميركا وربما مع اسرائيل. لكن موقف القوى التقدمية الكردية يبشر بوعي الأكراد للمخاطر على الشعب الكردي المتآتية من هذا الجانب في المشروع الأميركي، المستكمل للمخطط التركي في هذا المجال. والأكراد وحدهم من سيضع حداً لهذه المحاولة. إن السياسة الأميركية عودتنا، التخلي عن «حلفائها» دائماً لمصلحة إقتصادها وثروتها وما تسميه «أمنها القومي».
إن الخشية هنا من تكرار، ما فعلته بريطانيا مع الأرمن، في تركيا حيث تخلت عنهم في أحرج اللحظات وجعلتهم صيداً سهلاً للمجزرة التركية بحق الشعب الأرمني. وما نخشاه أن يكرر التاريخ نفسه، فتكون المصلحة الأميركية غطاءً لمجازر جديدة، بحق الأكراد هذه المرة.
وثاني مظاهر المرحلة الجديدة، تتمثل بالوقاحة، التي بدأ يتحدث بها المسؤولون السعوديون وحلفاؤهم في الخليج، عن عملية التطبيع مع العدو الصهيوني، والتي كانت آخر مظاهرها المعيبة، هي تعامل أنظمة الخليج والرجعية العربية، مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، دفاعاً عن الأقصى.
إن المملكة السعودية، لم تشترِ جزيرتي «تيران و صنافير» المصريتين، بل هي دفعت ثمناً لمكان لها في إطار «كمب ديفيد»، وبالتالي دفعت هي ثمن العلاقة المباشرة مع العدو الصهيوني. وهذا التحالف، ستتضح شروطه وأبعاده، في الأيام والأسابيع القادمة.
أما ثالث المظاهر وربما الأبرز، سيكون ازدياد التآمر على الوضع الفلسطيني والقضية الفلسطينية، من موقف دول الخليج وموقف الأردن ومصر، إلى موقف السلطة الفلسطينية، التي تستمر بالانحدار منذ «أوسلو»، حتى الآن. إن انتفاضة الشعب الفلسطيني في الأقصى التي أضافت إلى بعدها الديني، بعداً وطنياً فلسطينياً وبعداً يضرب جذوره في قيم الحرية، هذه الانتفاضة، ستصوغ برنامج المواجهة الوطنية الفلسطينية للتآمر العربي الرجعي مع المشروع الاميركي- الاسرائيلي، وتعيد قضية فلسطين ومقاومتها إلى صلب المواجهة مع هذا المشروع، ليس على مستوى فلسطين فقط، بل على المستوى العربي العام.
ورابع المظاهر، هو محاولة الولايات المتحدة، استيعاب هذه النكسات المتلاحقة لمشروعها وبالتالي إعطاء فرصة لتوزيع الأدوار الجديدة عبر اقتراحاتها المتتالية على روسيا (وايران)، بتقاسم للنفوذ، يعطيها فرصة لإعادة البحث بترتيب الوضع الداخلي لمشروعها، وضمن هذا الاطار تأتي اللهجة الاوروبية وحتى الأميركية الجديدة، تجاه الرئيس بشار الأسد، وكأن بقاءه أو ذهابه يقرر في البيت الأبيض والاليزيه.
مرة جديدة، لا بد من التأكيد، أن المطلوب من سوريا اليوم، ليس انتظار الحل من المؤتمرات الدولية، سواء من جنيف أو استانة أو سواها، وأنا كنت سابقاً قد أشرت إلى أننا حتما قد نتخطى جنيف(10) وربما (20).