اتسع نطاق الغضب العراقي من صفقة «حزب الله ـ داعش» بنقل مئات المقاتلين المتطرفين من الحدود السورية – اللبنانية الى الحدود السورية مع العراق، خشية تداعيات خطيرة على الأمن الداخلي المضطرب في ظل الحرب الدائرة ضد التنظيم الإرهابي على أكثر من جبهة شمال البلاد، وارتفعت أصوات منددة بما وصفته بـ«الخيانة» لدماء العراقيين.
وإذ تدخل التحالف الدولي لوقف قافلة مقاتلي «داعش» وعائلاتهم من خلال قصف جسر لإعاقة تقدم موكبهم تجاه البوكمال، اصطفت الولايات المتحدة إلى جانب حكومات محلية عراقية أيدت موقف العديد من الفاعليات السياسية والشعبية الرافض للصفقة، ما دفع رئيس البرلمان سليم الجبوري إلى مطالبة حكومة حيدر العبادي باتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة تداعياتها.
وبهذا الصدد قال الجبوري في بيان صحافي حصلت «المستقبل» على نسخه منه، خلال استقباله جمعاً من عوائل المقاتلين أمس «نرفض أي اتفاق من شأنه أن يعيد تنظيم داعش الى العراق أو يقربه من حدوده»، محذراً من «العودة الى المربع الأول والتنكر لدماء الشهداء».
وأضاف رئيس البرلمان أن «العراق لن يدفع ضريبة اتفاقات او توافقات تمس أمنه واستقراره»، داعياً «الحكومة الاتحادية لاتخاذ كافة التدابير اللازمة من أجل مواجهة تداعيات هذا الاتفاق» ومطالباً «لجنة الأمن والدفاع بالتحرك السريع لتقصي
الحقائق وتقديم تقرير مفصل يوضح لمجلس النواب تداعيات الاتفاق المبرم بين حزب الله وتنظيم داعش الإرهابي وانعكاساته على أمن واستقرار البلد».
وبحسب النائب محمد الكربولي عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية فإن عناصر من تنظيم «داعش» وعوائلهم الذين تم ترحيلهم من لبنان بموجب الاتفاق اللبناني - السوري الأخير وصلوا الى منطقة راوة في محافظة الأنبار.
وقال الكربولي في تصريح صحافي إن «هناك معلومات تشير لوصول بعض زمر داعش وعوائلهم التي تم ترحيلها من الحدود اللبنانية - السورية الى منطقة راوة في محافظة الأنبار»، مبيناً أن «الطريق في المناطق الممتدة بين البوكمال بالأراضي السورية وصولاً الى منطقة الصكرة جنوب غرب قضاء حديثة مفتوح وغير مسيطر عليه».
وأوضح الكربولي وهو نائب عن الأنبار (غرب العراق) أنه «من خلال الاتصالات مع بعض العوائل في مناطق راوة وصلتنا معلومات بدخول بعض تلك العوائل الى منطقة راوة»، مشيراً الى أن «حركة داعش ما بين تلك المناطق أمر وارد ولا توجد فيه أي معوقات لهم».
وبيّن عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية أنه «لا توجد أي مبررات لبقاء عناصر داعش وعوائلهم الذين تم نقلهم ضمن الاتفاق الى منطقة البوكمال»، مشيراً إلى أن «انتقالهم الى داخل المناطق العراقية هو أمر متوقع» منوهاً الى أن «إرسال تلك الزمر الإرهابية لتلك المناطق الحدودية ضمن الاتفاق المبرم خارجياً كان خطأ فادحاً».
وتوالت ردود الأفعال من قبل الجهات الرسمية العراقية التي لم تخفِ صدمتها وغضبها واستياءها من اتفاق «حزب الله» – داعش إذ أكد سعد الحديثي، المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي أن الحكومة تجري اتصالات مع النظام السوري بشان اتفاقية «حزب الله» و«داعش».
وأضاف الحديثي أن «الحكومة ترفض هذه الصفقة أو المساس بأمن المدن العراقية من خلال وجود عناصر التنظيم في منطقة البوكمال الحدودية».
بدورها أعربت الحكومة المحلية في كربلاء عن تخوفها من إجراءات نقل «إرهابيي داعش» إلى قرب الحدود العراقية – السورية لكونها تهدد أمن المحافظة التي تضم مرقد الإمام الحسين بن علي وشقيقه العباس المقدسين لدى المسلمين الشيعة.
وقال مجلس محافظة كربلاء في بيان صحافي أمس إنه «يستغرب الإجراءات التي حصلت أخيراً بنقل الإرهابيين الدواعش من الحدود اللبنانية - السورية الى الحدود العراقية - السورية»، مشيراً إلى أن «هذا الإجراء غير مقبول وغير مبرر وخطير».
وأضاف المجلس أن «هذا الإجراء يهدد الأمن العراقي بشكل عام وأمن محافظة كربلاء المقدسة بشكل خاص لمحاذاتها محافظة الأنبار المحاذية للحدود السورية»، مبيناً أن «العراقيين لطالما خاضوا الحروب بوجه الإرهاب نيابة عن العالم وعن دول المنطقة وخصوصاً سوريا ولبنان»، داعياً «الحكومة العراقية التي نجحت بكبح جماح الإرهاب وتطهير المدن العراقية من رجسه الى أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة هذه الحالة عسكرياً وسياسياً».
وفي أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق أعرب مجلس أمن الإقليم عن قلقه من الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية و«حزب الله» اللبناني وتنظيم «داعش» والقاضي بنقل مسلحي التنظيم إلى الحدود العراقية.
وقال المجلس في بيان صحافي إنه «بحسب الاتفاقية بين إرهابيي داعش وحزب الله اللبناني والنظام السوري تم نقل المئات من مسلحي داعش مع أسلحتهم من الحدود اللبنانية إلى الحدود العراقية»، معرباً عن «القلق إزاء هذه العملية التي تحمل الكثير من الشكوك والتساؤلات».
ودعا مجلس أمن إقليم كردستان، ما سماها «الأطراف المعنية في المنطقة» إلى «اتخاذ موقف جدي إزاء هذه العملية».
وفي سياق ذي صلة خرجت الولايات المتحدة عن صمتها إزاء الاتفاق عندما انتقدت على لسان مبعوث الرئيس الأميركي في التحالف الدولي ضد «داعش» نقل مقاتلي التنظيم المتشدد إلى الحدود مع العراق بموافقة النظام السوري وحليفه «حزب الله».
وأكد بريت ماكغورك المبعوث الأميركي للتحالف الدولي ضد «داعش» في العراق وسوريا أنه «كان المفروض قتل عناصر التنظيم في معارك القتال بدل نقلهم إلى الحدود العراقية».
وقال ماكغورك في تغريدة نشرها بحسابه في «تويتر» أمس أنه «يجب قتل عناصر داعش في ساحات المعركة وليس نقلهم عبر الحافلات الى الحدود العراقية بدون موافقة الحكومة»، مشيراً إلى أن «التحالف الدولي سيعمل جاهداً من أجل منع دخول هؤلاء إلى العراق أو الفرار من ما يسموه خلافتهم الزائفة».
وشن التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضربتين جويتين لعرقلة تقدم حافلات تقل مسلحين من تنظيم الدولة قادمة من لبنان ومتجهة نحو شرق سوريا.
وقال المتحدث باسم التحالف الدولي الكولونيل ريان ديلون إن الغارات الأولى استهدفت الطريق التي تقود من مدينة الحميمة السورية شرقاً باتجاه البوكمال، موضحاً أنه «لمنع القافلة من التقدم شرقاً، أحدثنا فجوة في الطريق ودمرنا جسراً صغيراً».
ثم عاد التحالف ونفذ غارات جديدة استهدفت «سيارات فردية ومقاتلين تم التعرف عليهم بوضوح باعتبارهم ينتمون إلى تنظيم الدولة» وبدا أنهم يتقدمون باتجاه القافلة من البوكمال.
وأضاف «إذا واصلوا إرسال أشخاص إلى ذاك الطريق، سنواصل ضربهم. وستزداد الخسائر».
وأوقفت ضربات التحالف تقدم القافلة بالقرب من دير الزور بعد 48 ساعة من مغادرتها المنطقة الحدودية مع لبنان.
وأضاف الكولونيل ديلون «ان تنظيم الدولة يشكل تهديداً عالمياً، ونقل الإرهابيين من مكان الى آخر كي يتعامل معهم طرف آخر ليس حلاً دائماً».
وانصب الغضب العراقي على ما نفذه زعيم «حزب الله» حسن نصر الله مع حلفائه في دمشق وطهران في أول صفقة علنية مع تنظيم داعش.
وأخفق معلقون ومتحدثون تابعون لأحزاب شيعية ومن ميليشيات الحشد الشعبي في استثمار القنوات الفضائية العراقية الممولة من إيران من أجل الدفاع عن خطوة «حزب الله» في ظل الرفض الشعبي الواسع لتصرف الحزب فيما خصصت قنوات عراقية مستقلة ساعات من بثها لمهاجمة اتفاق حزب الله – داعش وكشف التأثير الإيراني على العراق وسوريا ولبنان.
وواصل ناشطون عراقيون على مواقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» و«تويتر» ولليوم الثاني على التوالي شن هجمات شرسة وانتقادات لاذعة لـ«حزب الله» وزعيمه حسن نصر الله على خلفية الصفقة مع «داعش»، مؤكدين أنها تمثل «خيانة لدماء العراقيين وخنجراً مسموماً في الظهر»، كما صب الناشطون جام غضبهم على النظام السوري وإيران التي اعتبروا أنها «غدرت بشيعة العراق»، منتقدين في الوقت نفسه تراخي الحكومة العراقية والموقف الضعيف من رئيس الوزراء العراقي إزاء الاتفاق.