يتصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل على خلفية التطورات العسكرية في
سوريا، وسط تبادل الاتهامات بين قيادتي البلدين وتزايد المخاوف من انزلاق الخلافات السياسية إلى مواجهة مباشرة. وفي قراءة لهذه التطورات، يرى موقع «Responsible Statecraft»
الاميركي، أن الضربات
الإسرائيلية على مواقع سورية والتصعيد الكلامي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضد الرئيس
التركي رجب طيب أردوغان يطرحان تساؤلات حول أهداف
إسرائيل من تحركاتها في سوريا، ولا سيما في ظل تنامي الحضور التركي فيها.
وجاء التصعيد السياسي الأبرز خلال كلمة نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث هاجم أردوغان، واصفاً إياه بـ«المستبد»، ومتهماً إياه بالسعي إلى السيطرة على سوريا، فضلاً عن توجيه اتهامات إليه بشأن مواقفه من إسرائيل. وتزامنت هذه التصريحات مع توتر متزايد بين أنقرة وتل أبيب، على خلفية التحركات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي
السورية ومخاوف تركيا من تداعياتها على مصالحها الأمنية.
قاعدة أبو الظهور في قلب المواجهة
ويشير تحليل «Responsible Statecraft» إلى أن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا، في آب الماضي، شكّلت محطة مفصلية في مسار التوتر بين البلدين. فقد دمّر الطيران
الإسرائيلي مدرج
القاعدة، التي تبعد نحو 43 ميلاً عن الحدود التركية، من دون إخطار أنقرة مسبقاً، في خطوة ربطها التحليل بمخاوف إسرائيل من احتمال إقامة تركيا منشآت عسكرية وشبكات رادار في سوريا، بما قد يحدّ من حرية حركة طيرانها.
لكن التحليل يلفت إلى أن أنقرة ودمشق نفتا وجود خطط وشيكة لتحويل القاعدة إلى منشأة عسكرية تركية، فيما أشارت تقييمات استخباراتية أميركية، وفقاً للمقال، إلى عدم وجود مؤشرات على توجه
تركي فوري من هذا النوع.
وفي هذا السياق، ينقل الكاتب عن اللواء المتقاعد في القوات الجوية التركية أتيش محمد إيريز أن تجهيز قاعدة جوية متكاملة وتشغيل شبكات رادار متطورة يتطلبان أشهراً طويلة، وليس أسابيع، ما يثير تساؤلات بشأن المبررات الزمنية التي تستند إليها إسرائيل لتبرير ضرباتها.
ويطرح التحليل احتمال أن يكون استهداف المدرج موجهاً أساساً إلى توجيه رسالة سياسية وعسكرية إلى أنقرة، مفادها أن إسرائيل لن تنتظر وصول القوات التركية إلى المواقع المستهدفة للتحرك ضدها، خصوصاً أن وجود عسكريين أتراك في تلك المنشآت قد يجعل أي ضربة لاحقة تنطوي على مخاطر مواجهة مباشرة مع دولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
إسرائيل وتغيير قواعد الاشتباك
ويركّز التحليل على أن خطورة التطورات لا تقتصر على استهداف قاعدة عسكرية، بل تتصل أيضاً بتغيّر المعايير التي تحكم التحركات الإسرائيلية في سوريا. فبدلاً من الاستناد إلى تحركات عسكرية فعلية أو تهديدات وشيكة، باتت الضربات، وفق قراءة الموقع، تستند إلى تقديرات تتعلق بنوايا تركيا المستقبلية واحتمالات توسعها العسكري.
ومن شأن هذا النهج، بحسب التحليل، أن يوسّع نطاق المواجهة المحتملة، إذ تصبح التحركات التي لم تتحول بعد إلى وقائع ميدانية مبرراً لضربات عسكرية استباقية، ما يزيد صعوبة احتواء التوتر ويضع قواعد الاشتباك التقليدية أمام اختبار جديد.
وفي المقابل، اختارت أنقرة حتى الآن عدم الرد عسكرياً على الضربات الإسرائيلية، رغم متابعة تحركات الطيران الإسرائيلي وتعزيز استعداداتها الدفاعية. ويربط الكاتب هذا الموقف برغبة القيادة التركية في تجنب الانجرار إلى مواجهة قد تتجاوز حدود سورية، فضلاً عن تفادي منح نتنياهو فرصة لتوظيف التصعيد في حساباته السياسية الداخلية.
سوريا ساحة للتنافس التركي الإسرائيلي
ولا يحصر التحليل الخلاف التركي الإسرائيلي في قاعدة أبو الظهور، بل يضعه في سياق أوسع يتصل بمستقبل سوريا وترتيباتها الأمنية والعسكرية. فالتعاون بين أنقرة والحكومة السورية الجديدة، وفق الموقع، يتجاوز المسائل العسكرية، ليشمل تدريب القوات، ودعم شبكات الكهرباء، وإجراء مناورات مشتركة، فضلاً عن مشاريع البنية التحتية، ومنها بناء جسور عائمة على نهر الفرات.
وتعكس هذه الملفات اتساع نطاق الحضور التركي في سورية، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى الحد من أي تطورات عسكرية قد تؤثر في حرية تحركها داخل الأراضي السورية. ومن هنا، يرى التحليل أن استهداف المنشآت السورية لن يكون كافياً بالضرورة لوقف مسار التعاون بين دمشق وأنقرة، بل قد يفاقم التوتر بين الطرفين.
ويضع الموقع
الولايات المتحدة أمام تحدي إدارة التباين بين حليفين إقليميين، هما تركيا وإسرائيل، خصوصاً أن أي مواجهة مباشرة بينهما قد تفرض تداعيات تتجاوز الساحة السورية. ويدعو التحليل
واشنطن إلى العمل على إنشاء آلية ثلاثية لمنع التضارب العسكري، تتيح تنسيق التحركات وتحدّ من مخاطر الاحتكاك المباشر.
ويطرح تحليل «Responsible Statecraft» احتمال أن يتحول التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا إلى أزمة أمنية أوسع، إذا استمرت الضربات الإسرائيلية على أساس التهديدات المفترضة، بالتوازي مع توسع التعاون التركي السوري. وبين التصعيد الإسرائيلي وضبط النفس التركي، تبقى آليات منع الاحتكاك والدور الأميركي عاملين أساسيين في تحديد مسار المرحلة المقبلة.