تتميز اللقاءات السياسية في نيويورك على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، بعزم دول كبرى على إعادة النظر في 3 ملفات رئيسية على الأجندة العالمية هي: البرامج العسكرية الكورية الشمالية، الاتفاق النووي مع إيران، وآخر تطورات الوضع في سوريا. وجاءت محصلة اليوم الأول من القمم الثنائية والمحادثات على شكل تناغم بين الصين والولايات المتحدة بشأن ملف بيونغ يانغ، وتعهد أميركي لإسرائيل بإعادة النظر في الاتفاق النووي الموقع دولياً مع إيران بهدف تشديد الضغط على نظام طهران، وإعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن إعادة فتح ملف عملية الانتقال السياسي في سوريا من ديكتاتورية آل الأسد نحو الديموقراطية والانتخابات الحرة.
وأثناء لقاء جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فندق البلازا في حي مانهاتن، حاول ترامب بشكل واضح استرضاء الإسرائيليين بالتلميح إلى استعداد الجيش الأميركي الدائم لتوجيه ضربة عسكرية لإيران في حال تصرفت الأخيرة بشكل عدواني، وذلك بعدما أعرب نتنياهو عن رغبة إسرائيل في رؤية موقف أميركي ودولي أكثر صرامة تجاه إيران لنسف طموحاتها الهادفة إلى إنتاج أسلحة نووية.
وأوضح نتنياهو خلال الاجتماع الثالث له بترامب هذا العام أن «الهدف من اللقاء هو التعبير عن رغبة إسرائيل في أن يتراجع الأميركيون عن هذه الصفقة الرهيبة مع إيران» (أي الاتفاق النووي الموقع في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما). وأعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي عن قلقه الشديد إزاء استمرار طهران في بسط نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وبخاصة في سوريا وعلى طول الحدود الشمالية لإسرائيل.
من جهته حذر ترامب من أن بلاده «قد تنسحب من اتفاق 2015 الموقع مع إيران إذا ما رأى الخبراء في واشنطن أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عاجزة عن أن تراقب بشكل صارم مدى تطبيق النظام الإيراني لهذا الاتفاق». وتجدر الإشارة إلى أن إدارة ترامب لديها حتى 15 تشرين الأول المقبل (موعد تقديم الخارجية الأميركية تقريراً خاصاً عن أداء الوكالة الدولية في مراقبة تنفيذ إيران التزاماتها حيال الاتفاق)، لكي تتخذ قراراً فاصلاً بصدد الاستمرار في الاتفاق النووي مع إيران من عدمه. وعدم الاستمرار يعني بحسب الخبراء، إجراء تعديلات على الاتفاق وتوجيهه نحو مسار مختلف ضمن دائرة شروط جديدة قد لا يوافق عليها النظام الإيراني بتاتاً. وحيال هذا الموعد تحديداً قال ترامب «إن موقف واشنطن من الاتفاق النووي سيتضح قريباً جداً».
وخلال اجتماعه مع ترامب ذكر نتنياهو أيضاً أن «إسرائيل تسعى إلى السلام مع الفلسطينيين والعالم العربي بشكل عام» وهو هدف تشجعه الولايات المتحدة. وهذا ما أكده ترامب قائلاً «إننا ندفع بشكل تام في هذا الاتجاه. ونحن نعمل بجد للتوصل إلى اتفاق سلام دائم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية».
وكان مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت رايموند ماكماستر صرح قبيل قمة ترامب - نتنياهو أن «المحادثات التي سيقوم بها الرئيس الأميركي في نيويورك بشأن الاتفاق النووي الإيراني ستكون واسعة النطاق»، وأشار الى أن «سلوك إيران المزعزع للاستقرار في الشرق الأوسط سيكون محور مناقشات ترامب المفصلة مع نتنياهو والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون». ويتوقع أن يتمحور الخطاب، الذي سيلقيه نتنياهو اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بشكل رئيسي حول إيران وطموحاتها العسكرية وتدخلاتها الخارجية.
وفور سماعها موقف ترامب من الاتفاق النووي هرعت فرنسا عبر وزير خارجيتها جان ايف لودريان إلى التحذير من انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق. وقال لورديان «لا ينبغي لواشنطن التخلي عن الاتفاق، لأن انهياره سيؤدي إلى سباق تسلح نووي في المنطقة وسيمنح المتشددين في النظام الإيراني الفرصة لمواصلة السعي لامتلاك أسلحة نووية». واعتبر الوزير الفرنسي أمام الصحافيين في نيويورك أن «استمرار الاتفاق النووي مع إيران ضروري جداً للأمن العالمي».
وحذر الرئيس الإيراني حسن روحاني من أن الولايات المتحدة «ستدفع ثمناً غالياً» إذا ما قام ترامب بإلغاء الاتفاق النووي بين طهران ومجموعة دول 5+1، وتضم كلا من الصين وروسيا وأميركا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا.
جاء ذلك في مقابلة لروحاني مع «سي أن أن» حيث قال: «الخروج من هذا الاتفاق سيحمل معه ثمناً غالياً للولايات المتحدة، ولا أعتقد أن الأميركيين مستعدون لدفع مثل هذا الثمن المرتفع مقابل أمر سيكون بلا جدوى بالنسبة لهم».
وفي سياق آخر، أعلن فريق مستشاري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيسعى من خلال اللقاءت التي سيجريها في نيويورك إلى إعادة موضوع العملية الانتقالية في سوريا إلى الواجهة، مع تأكيد الإليزيه أن «مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بسوريا ستلتئم في اجتماع في نيويورك الأربعاء». وليس معروفاً ما إذا كانت فرنسا ستحصل على تنازلات من طهران بشأن مستقبل السلطة السياسية في سوريا مقابل أن تسدي باريس للإيرانيين خدمة ضمان استمرارية الاتفاق النووي. ويتوقع أن يكون اللقاء الذي سيجمع وزيري خارجية الولايات المتحدة ركس تيلرسون وإيران محمد جواد ظريف الأربعاء في غاية الأهمية، وقد يلقي بعض الضوء إلى أين ستتجه الأمور بين واشنطن وطهران خلال الفترة المقبلة.
ويتوقع أن يهيمن التهديد الكوري الشمالي على الخطاب الذي سيلقيه ترامب اليوم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي هذا السياق نشر البيت الأبيض ملخصاً عن نتائج الحوار الذي أجراه أمس ترامب مع نظيره الصيني جي جينبينغ. وأكد البيان أن «الصين وافقت على تشديد الضغط على النظام الكوري الشمالي إلى أقصى حد».
(«المستقبل»، أ ف ب، سي أن أن)