يتصاعد الخلاف الكردي مع المثلث العراقي – التركي – الإيراني الذي يحكم حصاره شيئاً فشيئاً على إقليم كردستان من معظم نواحيه، من خلال تنسيق الدول الثلاث الرافضة لاستقلال الإقليم عن الدولة الأم باعتبار ذلك خطراً قومياً عليها جميعاً، فإضافة إلى الحظر الذي بدأ يأخذ شكلاً خانقاً على مطاري أربيل والسليمانية الدوليين، تنسق الدول الثلاث لمحاصرة الإقليم براً من خلال تسليم المنافذ الحدودية لإيران وتركيا معه إلى الجيش العراقي.
فقد ذكرت وزارة الدفاع في بغداد أن العراق يعتزم السيطرة على المنافذ الحدودية مع إقليم كردستان «بالتنسيق» مع إيران وتركيا.
ويشير بيان الوزارة العراقية في ما يبدو إلى أن القوات العراقية تخطط للتحرك صوب المنافذ الحدودية التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان من على الجانبين الإيراني والتركي، رداً على استفتاء الأكراد على الاستقلال
عن العراق، الذي أيدته غالبية عارمة من الأكراد تجاوزت 92 في المئة.
وقال البيان إن «تنفيذ قرارات الحكومة المركزية في ممارسة السلطات الاتحادية صلاحياتها الدستورية لإدارة جميع المنافذ الحدودية والمطارات، تجري حسب ما هو مخطط لها بالتنسيق مع الجهات المعنية ودول الجوار، ولا يوجد أي تأجيل في الإجراءات».
وفي أربيل أعلنت سلطات المطار أن آخر رحلة جوية مغادرة كانت مساء الجمعة، مع تطبيق حظر فرضته حكومة العراق.
وبدأت بغداد مساء تطبيق عقوبات على إقليم كردستان رداً على الاستفتاء الذي أجراه أكراد العراق دون تنسيق مع الحكومة المركزية، تشمل حظر الطيران فوق الإقليم والرحلات الجوية الدولية من مطاري أربيل والسليمانية في إقليم كردستان العراق.
وقبيل دخول القرار حيز التنفيذ أعلنت حكومة كردستان رفضها تسليم السيطرة على المعابر الحدودية للحكومة المركزية في بغداد.
وفي بيان لمكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قال: «بدأ مساء الجمعة 29 ايلول 2017 تنفيذ قرار مجلس الوزراء القاضي بايقاف الطيران الدولي من وإلى الإقليم لحين نقل السيطرة على مطاري السليمانية وأربيل إلى سيطرة وادارة السلطة الاتحادية».
ومن أبرز تلك العقوبات التي طالب بها البرلمان والحكومة العراقية إغلاق المجال الجوي ووقف عمل المطارات، ودعوة شركات الطيران الدولية لإيقاف رحلاتها إلى الإقليم بدءاً من الساعة السادسة من مساء الجمعة. كما ستغلق الحكومة الاتحادية المنافذ البرية الحدودية مع تركيا وإيران.
وطالبت الحكومة العراقية تركيا بوقف تصدير نفط الإقليم عبر خط الأنابيب الواصل إلى ميناء جيهان على البحر الأبيض المتوسط.
كذلك أوصى البرلمان العراقي بوقف رواتب كافة موظفي الدولة الذين شاركوا في الاستفتاء، مطالباً الحكومة بتعليق عمل الشركات العامة في المناطق المتنازع عليها.
ودعا البرلمان حكومة العبادي لإعادة نشر القوات العراقية في كافة المناطق التي سيطر عليها الإقليم بعد العام 2013.
واعتبرت حكومة إقليم كردستان تلك القرارات غير دستورية وغير قانونية.
وشهدت الساعات الماضية مغادرة واسعة للمواطنين والأجانب والعمال الأجانب والعاملين في المنظمات الإنسانية من الإقليم.
دولياً، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إن الولايات المتحدة لا تعترف بالاستفتاء على الاستقلال الذي أجرته حكومة إقليم كردستان وتدعو لوقف تبادل الاتهامات و»التهديدات بإجراءات متبادلة».
وأضاف «الولايات المتحدة لا تعترف بالاستفتاء الذي أجرته حكومة إقليم كردستان من جانب واحد يوم الاثنين. التصويت والنتائج يفتقدان إلى الشرعية وسنواصل دعم عراق موحد واتحادي وديموقراطي ومزدهر».
وقال «ندعو للهدوء ووقف تبادل الاتهامات والتهديدات بإجراءات متبادلة».
وفي تركيا قال رئيس الوزراء بن علي يلدريم إن إجراءات بلاده للرد على استفتاء إقليم كردستان العراق على الاستقلال لن تستهدف إلا من قرروا إجراءه.
وأضاف يلدريم في كلمة بإقليم جاناكالي بشمال غرب تركيا امس أن «أنقرة لن تجعل المدنيين الذين يعيشون في اقليم كردستان يدفعون ثمن الاستفتاء».
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن «الخطوات التي ستتخذها تركيا ستكون متناسقة مع طلبات الدولة والحكومة العراقية، وقد بدأنا نحن ودول أخرى بتطبيق بعضها.»
وأبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس الوزراء العراقي في اتصال هاتفي أن من الضروري الحفاظ على وحدة العراق بعد استفتاء الأكراد، وأن على بغداد تجنب التصعيد والاعتراف بحقوق الشعب الكردي.
وفي العراق، يجسد دخول مرجعية النجف ممثلة بالمرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني بعد صمت دام لاكثر من سنة ، على خط الازمة بين بغداد واربيل، تحركا جادا لتجنب الدخول في جولة جديدة من الصراع الدامي بشأن مصير ومستقبل اقليم كردستان بعد نجاح استفتاء انفصاله عن العراق والتي ادت الى فرض حزمة عقوبات.
حكومة حيدر العبادي المتسلحة بتاييد شعبي واسع من عرب العراق وبدعم اقليمي واضح من ايران وتركيا وجميعهم غاضبين من الاستفتاء الكردي، ابدت امس دعم مواقف السيستاني صاحب التاثير الكبير على المشهد العراقي والتي تتركز على اجراء الحوار وفقا للدستور العراقي وعدم المضي باستقلال اقليم كردستان الذي دفع بكل من البرلمان والحكومة اطلاق مواقف متشددة تجاه اربيل رغم تاكيد الحكومة العراقية على عدم رغبتها في تجويع الاكراد.
وبهذا الصدد اعلن العبادي التزامه بخارطة طريق اطلقتها المرجعية الشيعية لحل الازمة بين اربيل وبغداد.
وذكر بيان لمكتب العبادي حصلت جريدة «المستقبل» على نسخه منه امس «نرحب بموقف المرجعية الدينية العليا بالحفاظ على وحدة البلد وتحديد الدستور والمحكمة الاتحادية كمرجعية لحل اية خلافات مع اقليم كردستان، وهذا يدعم الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء الرافض للانفصال والتقسيم».
وبين مكتب العبادي ان»المرجعية الدينية تقف كعهدها دوما ومن منطلق استشعارها بما يحدق بالبلاد من مخاطر موقفا تأريخيا برفضها اجراء الاستفتاء بكردستان وتأكيدها على وحدة العراق بجميع مكوناته وضرورة الرجوع للدستور لحل كل ما يشكل بين الشركاء» ، معبرا عن ترحيبه «بما طرحته المرجعية الدينية في خطبتها اليوم (امس) التي تعبر عن الموقف الوطني برفض استفتاء كردستان واعتباره غير دستوري اضافة الى الحفاظ على المواطنين الاكراد».
وكسرت مرجعية النجف صمتها عندما اطلقت في أول خطبة للسيستاني تتطرق للشأن السياسي منذ بداية عام 2016، مجموعة افكار للحوار في اشارة واضحة على الاهمية التي يوليها الزعيم الروحي للشيعة في العالم، للازمة بين بغداد وحكومة كردستان بعد استفتاء الاستقلال.
وحذر السيد احمد الصافي ممثل المرجع الشيعي الاعلى في كربلاء في خطبة الجمعة امس الاكراد من القيام بخطوات منفردة تجاه تقسيم البلاد تسمح للدول بالتدخل في شؤون العراق الداخلية»، داعيا المسؤولين الاكراد في اقليم كردستان للرجوع إلى المسار الدستوري لحل القضايا الخلافية مع بغداد، مضيفا أن» الذهاب باتجاه اجندات التقسيم يفتح المجال للتدخلات الاقليمية.»
ودعا الصافي «الحكومة الاتحادية للحفاظ على حقوق الكرد وعدم المساس بها»، مطالبا «الحكومة والبرلمان ان يراعي بقراراته المحافظة على الكرد وحقوقهم وعدم المساس بها».