لا تُقاس أهمية روسيا للصين بحجم التبادل التجاري وحده، بل بما توفره لها من موارد للطاقة، واستقرار على حدودها الشمالية، وشراكة سياسية في مواجهة الضغوط الأميركية. فموسكو تمنح بكين مزايا تتجاوز السوق الروسية نفسها، وإن كانت حاجة البلدين إلى بعضهما غير متكافئة، مع اعتماد روسيا على الصين بدرجة أكبر.
اقتصاديا، بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 244 مليار دولار في 2024، قبل أن يتراجع بنسبة 6.9% إلى 228.1 مليار دولار في 2025، ثم يستعيد نموه في النصف الأول من 2026، مرتفعاً بنسبة 25.6% إلى 134.2 مليار دولار. ومع ذلك، لا تمثل روسيا سوى نحو 3.7% من تجارة الصين الخارجية، التي بلغت 3.67 تريليون دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، ما يوضح أن وزنها الاستراتيجي لدى بكين يفوق حصتها التجارية. وقد أسهمت السيارات في انتعاش التبادل، إذ ارتفعت قيمة صادراتها الصينية إلى روسيا بنسبة 134.7% خلال الفترة نفسها.
تأتي الطاقة في صلب هذه العلاقة، إذ تستورد الصين من روسيا النفط والغاز والفحم، إلى جانب النحاس والأخشاب وموارد أخرى، مستفيدة من الخصومات على الخام الروسي منذ اندلاع الحرب في
أوكرانيا. وتكتسب الإمدادات التي تصل برّاً وعبر الأنابيب أهمية إضافية لأنها تقلل اعتماد بكين على الممرات البحرية وانكشافها على اضطراباتها أو على حصار محتمل، وإن كان جزء من وارداتها الروسية لا يزال يُنقل بحراً. وفي 2025، نقل خط "قوة سيبيريا 1" نحو 38.8 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين، فيما بلغت وارداتها من الغاز الروسي المسال نحو 9.9 ملايين طن.
لكن أهمية الطاقة الروسية لا تعني أن بكين مستعدة لقبول شروط
موسكو. فمشروع "قوة سيبيريا 2"، المصمم لنقل 50 مليار متر مكعب سنوياً عبر منغوليا، لم يصل بعد إلى اتفاق تجاري نهائي؛ ورغم توقيع 42 وثيقة خلال زيارة بوتين إلى بكين في أيار، بقيت شروط المشروع عالقة. وتفيد تقارير عن أن الصين تطالب بأسعار قريبة من الأسعار المحلية الروسية المدعومة، بينما تسعى موسكو إلى شروط أقرب إلى اتفاق "قوة سيبيريا 1". ويكشف هذا التعثر ميزان التفاوض بين الطرفين: روسيا تبحث عن سوق تعوّض خسارتها الأوروبية، فيما تستطيع الصين التريث والمساومة على السعر.
وتمنح الجغرافيا هذه الشراكة ثقلاً يصعب اختزاله في التجارة، فاستقرار العلاقة على حدود تتجاوز أربعة آلاف كيلومتر يخفف الضغط على الجبهة الشمالية للصين، ويتيح لها تركيز اهتمامها الاستراتيجي على المحيط الهادئ وتايوان. غير أن هذا التقارب لا يعني توسعاً متواصلاً في التعاون العسكري؛ فقد تراجع عدد المناورات المشتركة في 2025 بعدما بلغ ذروته في 2024، بينما تقلصت حاجة الصين إلى استيراد السلاح مع تطور قدراتها الصناعية، بما يحدّ من اعتمادها على المورد الروسي.
سياسياً، تستفيد بكين من شراكة مع قوة نووية وعضو دائم في
مجلس الأمن يتقاطع معها في الاعتراض على السياسات الأميركية. وقد ازداد توافق تصويت البلدين في
الأمم المتحدة خلال 2025، وأكدت الصين في 30 أيلول عزمها على تعميق التنسيق الاستراتيجي مع روسيا والعمل على إصلاح الحوكمة العالمية. وفي الملف الأوكراني، ترفض بكين
العقوبات الغربية وتدعو إلى الحوار، بينما تشير تقارير إلى دور صادراتها ذات الاستخدام المزدوج في دعم الصناعة العسكرية الروسية.
ولهذا التقارب كلفة محتملة، إذ أقرّ مجلس الشيوخ الأميركي في آب تشريعاً يتيح فرض رسوم تصل إلى 100% على كبار مشتري النفط والغاز الروسيين، قبل أن يقرّه مجلس النواب في أيلول ويصبح قانوناً. وبذلك، باتت علاقات الطاقة بين بكين وموسكو جزءاً من الضغط الأميركي على الصين، إلى جانب الخلافات التجارية والاستراتيجية الأخرى.
ويمتد التقارب إلى حركة الأفراد، مع بدء تطبيق الإعفاء المتبادل من التأشيرات للإقامات القصيرة، وتصدّر الصينيين السياحة الوافدة إلى روسيا بحصة بلغت 50.8% في 2025. لكن هذه الروابط لا تلغي التفاوت الأساسي في العلاقة: تحتاج الصين إلى موارد روسيا وموقعها وشراكتها السياسية، بينما تحتاج موسكو إلى السوق الصينية والمصنوعات والبدائل التي توفرها بعد تقلص صلاتها بالغرب. وهذا الاختلال يمنح بكين القدرة على توسيع التعاون حيث يخدم مصالحها، والتريث حين لا تناسبها الشروط، كما يظهر في مفاوضات الغاز.