على الرغم من أن الموت والتفجير يشكلان جزءاً من الحياة اليومية في الصومال منذ زمن طويل، إلا أن ما شهدته العاصمة مقديشو أول من أمس كان مروعاً حتى بالمعايير الصومالية، إذ تسبب تفجيران بإيقاع أكثر من 200 قتيل ومئات الجرحى مع تسجيل ارتفاع كبير في عدد القتلى كل فترة، ما سيكون اليوم الأكثر دموية في تاريخ هذا البلد العربي الأفريقي الذي يسعى إلى النهوض من خراب عقود من الاقتتال الداخلي، في ما تسعى «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة» إلى إبقائه في دوامة الدم والفوضى.
وقال مسؤولون أمس إن أكثر من 200 شخص قتلوا في التفجيرين المتزامنين في مقديشو وإن ما يزيد على 250 آخرين أصيبوا في أحد أكثر هجمات «حركة الشباب» دموية في البلاد.
وقال عبد الفتاح عمر حلان المتحدث باسم رئيس بلدية مقديشو: «تأكدنا من مقتل 200 مدني في تفجير أمس. نعلم أن عدد القتلى أكبر من ذلك. لا يزال كثير من الأشخاص لا يجدون ذويهم».
وأعلنت وزارة الخارجية القطرية إن مبنى سفارتها في العاصمة الصومالية تعرض «لأضرار جسيمة» من جراء تفجير شاحنة مفخخة، عند تقاطع «الكيلومتر 5» في منطقة هودان، الحي التجاري الحيوي في العاصمة الصومالية، ويضم الكثير من المتاجر والفنادق والمكاتب.
وأضافت الوزارة أن العاملين في السفارة لم يتعرضوا لإصابات باستثناء القائم بالأعمال الذي تعرض «لإصابة طفيفة»، مشيرة إلى أنها قامت بالتواصل مع السلطات الصومالية «لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتأمين سلامة أعضاء السفارة».
والانفجار الآخر الثاني حصل بعد ساعتين من انفجار الشاحنة المفخخة.
وقال مسؤول الشرطة ابراهيم محمد لوكالة «فرانس برس»: «من الصعوبة بمكان الحصول على رقم دقيق لأن جثث القتلى قد نقلت إلى مختلف المراكز الطبية، وأخذ اقرباؤها بعضاً منها مباشرة لدفنها»، موضحاً أنه «أسوأ اعتداء» يستهدف الصومال.
وقال رئيس بلدية مقديشو تعبيد عبدي محمد: «ما رأيته في المستشفيات التي زرتها لا يُوصف. ما زالوا يعثرون على جثث وأطلب من كل شخص أن يمد يد المساعدة. الناس في وضع صعب.. ليس هناك مأساة أسوأ من أن يأتي شخص ويرى جثة قريب ميت ولا يستطيع التعرف إليه».
وعاد الرئيس الصومالي محمد عبدالله محمد، المعروف باسم «فرماجو» أمس، جرحى التفجير، وتبرع بالدم للمصابين، وقال له الأطباء إنهم استقبلوا 205 مصابين، وأصيب أكثر من مئة منهم بجروح خطيرة.
وأعلن فرماجو حداداً وطنياً يستمر ثلاثة أيام، بعد هذا الاعتداء الذي يعتبره الصوماليون الأسوأ في تاريخ بلادهم.
ووقع الهجوم أمام فندق سفاري الشعبي الذي لا يؤمه في العادة مسؤولون حكوميون، علماً أن حركة الشباب المتطرفة غالباً ما تستهدف في تفجيراتها الفنادق التي يرتادها المسؤولون الرسميون.
وحتى مساء أمس لم تُعلن حركة الشباب أو أي مجموعة أخرى، مسؤوليتها عن هذا الاعتداء. لكن الحركة المرتبطة بـ«القاعدة» غالباً ما تشن هجومات واعتداءات انتحارية في مقديشو وضواحيها.
إدانات
أعربت الولايات المتحدةعن إدانتها الشديدة للهجمات الإرهابية في مقديشو. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت في بيان صحافي أمس إن «الولايات المتحدة ستواصل الوقوف إلى جانب الحكومة الصومالية وشعبها والحلفاء الدوليين في مواجهة هذا العمل الجبان وفي مكافحة الإرهاب ودعم جهود تحقيق السلام والأمن والازدهار».
وأعربت السعودية عن إدانتها للتفجيرين. وقدم مصدر مسؤول في وزارة الخارجية «المواساة والعزاء لذوي الضحايا، ولجمهورية الصومال الشقيقة حكومةً وشعباً، مع التمنيات للمصابين بسرعة الشفاء»، وجدد في الوقت نفسه «وقوف المملكة مع الشقيقة جمهورية الصومال ضد الإرهاب والتطرف».
وأعلنت تركيا إرسال مساعدات طبية إلى مقديشو مع التكفل بعلاج بعض الجرحى في تركيا.
وقالت الخارجية المصرية إن «تلك الأعمال الآثمة لن تفتّ في عضد الشعب الصومالي نحو استكمال بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار».
وجدد محمود عفيفي المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في بيان «التزام الجامعة بمواصلة دعمها للجهود الحثيثة التي تقوم بها المؤسسات الأمنية الصومالية من أجل مكافحة الإرهاب وتثبيت الأمن والاستقرار في ربوع البلاد».
كما جددت باريس ولندن والاتحاد الأفريقي دعمهم الصومال.
وكتب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون على تويتر: «ندعم الصومال. ندعم الاتحاد الأفريقي ضد المنظمات الإرهابية الإسلامية. فرنسا تقف بجانبكم».
ودان وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون «بقوة هجوم مقديشو الجبان»، مشدداً على «استمرار دعم المملكة المتحدة للصومال في الحرب ضد الإرهاب».
وأكد الاتحاد الافريقي استمرار «انخراطه خصوصاً عبر البعثة العسكرية في الصومال، ومواصلة دعمه للحكومة والشعب الصومالي في جهوده للوصول لسلام وأمن دائمين».
حركة الشباب
وتسعى حركة الشباب المتطرفة للإطاحة بالحكومة الصومالية المركزية المدعومة من المجموعة الدولية و22 ألفاً من عناصر قوة الاتحاد الأفريقي (اميصوم).
وطردت قوة الاتحاد الأفريقي والقوات الصومالية متمردي حركة الشباب من مقديشو ثم بدأوا بعد ذلك بخسارة معاقلهم الواحد تلو الآخر، لكنهم مع ذلك ما زالوا يسيطرون على مناطق ريفية مترامية يشنون منها عمليات انتحارية وهجمات غالباً ما تستهدف العاصمة وقواعد عسكرية صومالية وأجنبية.
ويأتي تفجيرا السبت بعد يومين على استقالة وزير الدفاع الصومالي وقائد الجيش من منصبيهما بدون إعلان الأسباب.