الأمير مقرن خارج الحكم، محمد بن نايف ولياً للعهد، محمد بن سلمان ولياً لولي العهد، وعادل الجبير مكان سعود الفيصل.
هكذا استفاق السعوديون، يوم امس، على «عاصفة» التغييرات التي أجراها الملك سلمان بن عبد العزيز، فجراً، والتي لم تقتصر على مسؤولي الصفين الأول والثاني في رأس الهرم داخل السعودية، بل شملت مسؤولين من الصفوف الأدنى في جهاز الحكم السعودي، ليستكمل بها ما يمكن وصفه بـ«الانقلاب الأبيض»، الذي لاحت بوادره سريعاً منذ اتخاذ الملك الجديد سلسلة قرارات ملكية غداة وفاة اخيه الملك عبد الله بن عبد العزيز في كانون الثاني الماضي، وتسلمه العرش، في إطار إجراءات سريعة لانتقال الحكم في المملكة النفطية.
قرارات الفجر تلك، اتخذت شكل اوامر ملكية متلاحقة، استُهلت بإعفاء الأمير مقرن بن عبدالعزيز آل سعود من ولاية العهد ومن منصب نائب رئيس مجلس الوزراء «بناء على طلبه»، واختيار الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد، وتعيينه نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للداخلية ورئيساً لمجلس الشؤون السياسية والأمنية.
اما الأمر الملكي الثاني فتضمن اختيار الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولياً لولي العهد، مع تعيينه نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء ووزيراً للدفاع ورئيساً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية.
والى جانب التغييرات الدراماتيكية على مستوى ولاية العهد، اصدر الملك سلمان ثلاثة اوامر اخرى سيكون لها تأثيرها الواضح على السياسة الخارجية للمملكة النفطية، قضى اولها بـ «الموافقة على طلب» الأمير سعود الفيصل إعفاءه من منصبه كوزير للخارجية بسبب «ظروفه الصحية»، وتضمن ثانيها تعيين عميد الديبلوماسية السعودية وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء، ومستشاراً ومبعوثاً خاصاً للملك سلمان، ومشرفاً على الشؤون الخارجية»، فيما تضمن الأمر الملكي الثالث تعيين سفير السعودية لدى الولايات المتحدة عادل بن أحمد الجبير وزيراً للخارجية.
عاصفة التغييرات هذه لم تكن مفاجئة تماماً، فالمؤشرات اتت باكراً بشأن رغبة الملك السعودي في طي صفحة اخيه الراحل، وهو ما تبدّى في الترتيبات الاولى لانتقال الحكم، وما تلاها بعد ذلك بأيام من تعيينات عززت قبضة السديريين على الحكم، وفتحت الباب للمرة الاولى أمام «الجيل الثاني» للوصول الى السلطة وسط عاصفة من التغييرات والتحديات الداخلية والإقليمية.
لكن الخطوة الأخيرة، وبصرف النظر عن التوقعات السابقة بشأنها، أثارت تساؤلات بشأن الطريقة التي اتخذت من خلالها، وتحديداً لجهة تعمّد إصدار الأوامر الملكية فجراً من دون مبرر شكلي كذاك الذي قيل حين توفي الملك عبد الله، او في توقيتها الحساس، الذي تخوض فيه المملكة النفطية حربها على اليمن، التي باتت ميداناً للصراع الحاد بين السعودية وإيران.
وفي العموم، فإن عاصفة التعيينات تلك تعكس تكريس نفوذ السديريين في حكم السعودية، سواء في الوقت الراهن، او في المستقبل، وذلك بعدما تلاشت احتمالات تولي مقرن الحكم خلفاً للملك سلمان بتنحيته عن ولاية العهد، التي انتقلت عملياً الى أميرين من الجيل الثاني في الأسرة الحاكمة، أكبرهما في مطلع الخمسينات من العمر (محمد بن نايف)، وأصغرهما في حدود سن الثلاثين (محمد بن سلمان).
وحتى الآن، لا يمكن توقع مجريات الأحداث في مطبخ السياسة الملكي، باعتبار ان كل ما يتصل بالشؤون الداخلية للعائلة السعودية الحاكمة، في ما عدا بعض ما «غرّد» به الأمير المجهول «مجتهد» عبر حسابه على موقع «تويتر» للتواصل الاجتماعي، والذي بات قبلة الباحثين عن خفايا ما يدور في كواليس آل سعود.
ومما كشف عنه «مجتهد» بداية في هذا الخصوص سبق القرارات الأخيرة بيومين، حين «غرّد» عبر «تويتر» في السادس والعشرين من نيسان الحالي، قائلاً إن الأمير مقرن «يتعرّض لضغط من قبل (أحد الأقوياء) لكي يبادر بنفسه الى إعلان التنحّي بصيغة يجري الاتفاق عليها، بدلاً من أن يتمّ إبعاده بأمر ملكي»، وأن «متعب بن عبدالله يُحذّره من الموافقة» على هذا المخرج، لأن الأخير «لا يزال يراهن بأن مقرن يستطيع إعادته بعد وفاة سلمان وإقصاء محمد بن نايف».
وفور صدور الأوامر الملكية، فجر امس، نشر «مجتهد» سلسلة «تغريدات» جديدة، أشار فيها الى أن الأمير مقرن «كان على علم أنه سيتمّ إبعاده، وفهم من الضغوطات الأخيرة أنه مغادر، لكن لم يصله أي طلب رسمي من الملك حتى مساء أمس (الأول)».
وعن تعيين عادل الجُبير وزيراً للخارجية، غرّد «مجتهد» أن سفير السعودية لدى واشنطن كان على وشك أن يُقال لأنه محسوب على التويجري لكنّ ترشيحه جاء بـ «توصية أميركية».
وبينما تبقى مصداقية هذه التفاصيل على ذمة مطلقها، يبدو واضحاً ان قرارات الملك سلمان تحمل بصمات محمد بن نايف، الذي تولى ترتيب البيت الداخلي قبل وفاة الملك عبد الله، بحكم علاقاته الوطيدة بمراكز القرار في الولايات المتحدة، فتم تعيينه وقتها ولياً لولي العهد، ما وضعه على اول السكة للوصول الى عرش المملكة النفطية، ولكن يبدو ان الأمير النافذ، قد استعجل إقصاء مقرن (70 عاماً)، الذي كان يفترض ان يكون آخر الملوك من «الجيل الاول»، في خضم الحرب على اليمن، التي استغلها الثنائي محمد بن نايف (صاحب النفوذ القوي داخل المؤسسة الأمنية) ومحمد بن سلمان (الذي سطع نجمه سريعاً في قيادة القوات المسلحة)، لتحييد متعب بن عبد الله عن الصراع الداخلي، عبر تكليف الحرس الوطني، الذي يقوده، حماية الحدود، وهو قرار سبق الإعلان عن إنهاء عملية «عاصفة الحزم».
وتبدو كذلك بصمات محمد بن نايف (56 عاماً)، الذي يوصف بأنه «جنرال الحرب على الإرهاب»، واضحة، من خلال بعض التفاصيل التي سبقت صدور الأوامر الملكية، ومن بينها الإعلان عن تفكيك خلايا تابعة لتنظيم «داعش»، كانت إحداها تخطط لمهاجمة السفارة الأميركية في الرياض.
كذلك، فإنّ تعيين محمد بن سلمان ولياً لولي العهد يكشف عن بعض الأهداف الداخلية لعملية «عاصفة الحزم»، التي سطع نجمه فيها، وتردد أنها كانت فكرته. ولعلّ ما ورد في الأمر الملكي بشأن تعيينه يؤكد بعض التكهنات بشأن استغلال الحرب على اليمن لتعزيز نفوذ الملك الشاب (30 عاماً) الذي «اتضحت قدراته للجميع من خلال كل الأعمال والمهام التي أنيطت به، وتمكن - بتوفيق من الله - من أدائها على الوجه الأمثل».
وإلى جانب الترتيبات المتعلقة برأس الهرم، فإن ما تضمنته الأوامر الملكية الأخرى بشأن التعيينات الأخرى على مستوى جهاز الحكم، تعكس توجهاً لإحكام الجناح المحافظ في المملكة قبضته على كل مفاصل الدولة.
كما امر الملك سلمان بصرف راتب شهر لمنسوبي القطاعات العسكرية والأمنية. (تفاصيل صفحة........)