ما بعد «عاصفة الحزم» ليس مثل ما قبلها. هذه هي الدلالة الفعلية للأوامر التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمس، مشرعاً أبواب الدولة والمستقبل أمام القيادات الشابة التي أثبتت خلال وقت قصير، وفي ظرف استثنائي، أنها أهل لتسلم زمام الأمور في «عاصمة الحزم».
الأمير محمد بن نايف ولياً للعهد بعدما طلب الأمير مقرن بن عبدالعزيز اعفاءه من ولاية العهد. والأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد باختيار من ولي العهد الجديد. والسفير في واشنطن عادل الجبير وزيراً للخارجية، الأول من خارج الاسرة الحاكمة في هذا المنصب، بعدما طلب الأمير سعود الفيصل اعفاءه لاسباب صحية بعد 4 عقود من العمل الديبلوماسي المميز.
السعوديون تلقوا هذه التغييرات بارتياح فلبوا دعوة الملك سلمان الى مبايعة الأمير محمد بن نايف والأمير محمد بن سلمان مساء أمس، وكان الأمير مقرن في مقدم المبايعين.
بعد طلب الأمير مقرن اعفاءه انتقلت ولاية العهد الى الامير محمد بن نايف باعتباره وليا لولي العهد، في حين ان تسمية الامير محمد بن سلمان وليا لولي العهد تمت بطلب من ولي العهد الجديد في كتاب وجهه الى خادم الحرمين من منطلق «تقديم المصالح العليا للدولة على أي اعتبار آخر، ولما يتصف به صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز من قدرات كبيرة، والتي اتضحت للجميع من خلال كافة الأعمال والمهام التي أنيطت به، وتمكن من أدائها على الوجه الأمثل، ولما يتمتع به سموه من صفات أهلته لهذا المنصب» وهو ما استجاب له الملك سلمان بعد الاطلاع على تأييد الاغلبية العظمى من أعضاء هيئة البيعة.
منذ كانون الثاني الماضي وعندما صار الامير سلمان ملكاً وسمي الامير محمد بن نايف وليا لولي العهد والامير محمد بن سلمان وزيرا للدفاع، شهدت المملكة تحولا نوعيا مع التمدد الفارسي في انحاء العالم العربي، من لبنان الى سوريا فالعراق وصولا الى اليمن، على الحدود السعودية وباب المندب، ما استوجب «عاصفة الحزم» العسكرية لدعم الشرعية المهانة من قبل الحوثيين الموالين لطهران والمتحالفين مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح.
العملية العسكرية في اليمن، التي يربط كثيرون بينها وبين الأميرين محمد بن نايف ومحمد بن سلمان، اعتبرها أغلب المحللين انعكاسا لنهج أكثر قوة للسياسة الخارجية السعودية تحت قيادة الملك سلمان وفريقه الذين عملوا لبناء تحالف عربي اسلامي في مواجهة إيران. وتبدو الرياض على نحو متزايد عازمة على التصدي لحلفاء طهران ومنهم بشار الاسد في سوريا، حيث حققت قوات المعارضة المسلحة مكاسب ميدانية مهمة في الآونة الأخيرة.
وهكذا توقع المراهنون على صحوة عربية تلجم المد الفارسي ان تتمخض «عاصفة الحزم» عن سياسة سعودية أقوى وأسرع في اتخاذ القرار، وقيادة لا تتردد في خوض أي مواجهة عند اللزوم.. وجاءت أوامر الملك سلمان أمس لتؤكد صحة هذا الرهان.
وبايع الأمير مقرن بن عبدالعزيز مساء أمس، الأمير محمد بن نايف وليًا للعهد، والأمير محمد بن سلمان وليًا لولي العهد في قصر الحكم بالرياض . كما قدم الأمراء والمفتي العام في المملكة والعلماء والوزراء وكبار المسؤولين من مدنيين وعسكريين وجموع غفيرة من المواطنين، البيعة للأمير محمد بن نايف وللأمير محمد بن سلمان.
وألقى مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ كلمة أكد فيها «اجتمعنا تنفيذاً لأمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز..، لمبايعة محمد بن نايف بن عبدالعزيز وليًا للعهد ولمبايعة محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولياً لولي العهد، هذه إن شاء الله بيعة مباركة نرجو الله أن يجمع قلوبنا على طاعته وأن يوحد الصف وأن يؤيد هذا الاختيار المبارك».
وبموجب الأوامر الملكية سيكون الأمير محمد بن نايف وليا للعهد ونائبا لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بوزارة الداخلية وبرئاسة مجلس الشؤون السياسية والأمنية. وسيكون محمد بن سلمان نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء محتفظا بوزارة الدفاع وبرئاسة مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، في حين انتقلت رئاسة الديوان الملكي منه الى حمد بن عبدالعزيز السويلم بمرتبة وزير.
كما قبل الملك سلمان طلب الامير سعود الفيصل اعفاءه بسبب ظروفه الصحية وعين مكانه عادل الجبير.
والجبير حاصل على درجة البكالوريوس من جامعة شمال تكساس في الاقتصاد والعلوم السياسية، ودرجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة جورج تاون في العاصمة الأميركية. وهو التحق في العام 1986 بالسفارة السعودية في أميركا، إلى أن عين سفيراً في واشنطن قبل تسعة أعوام خلفاً للأمير تركي الفيصل، إضافة إلى عمله سابقاً مستشاراً للملك السعودي الراحل عبدالله بن عبدالعزيز.
ويعرف الجبير كممثل للسعودية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة، وبرز دوره خصوصاً في أثناء عملية «عاصفة الحزم» التي قادتها المملكة في اليمن، حيث كان يمثل الدفاع الديبلوماسي عن تلك العملية العسكرية في واشنطن وأمام الرأي العام الأميركي.
يشار إلى أن الجبير نجا من محاولة اغتيال دبرتها له إيران، عندما أحبطت السلطات الأميركية المؤامرة، وكُشف النقاب في المحكمة الاتحادية في نيويورك عن اسمي الشخصين الضالعين في المؤامرة بتخطيط وتمويل من الحكومة الإيرانية.
ومن الأوامر الملكية التي صدرت أمس، تعيين الأمير منصور بن مقرن مستشارًا لخادم الحرمين بمرتبة وزير، تعيين المهندس خالد بن عبدالعزيز الفالح وزيرا للصحة، تعيين مفرج بن سعد الحقباني وزيرا للعمل، تعين خالد اليوسف رئيسًا لديوان المظالم بمرتبة وزير، إعفاء محمد بن سليمان الجاسر وزيرا للاقتصاد والتخطيط من منصبه، وتعيينه مستشاراً بالديوان الملكي بمرتبة وزير، إعفاء عادل بن محمد فقيه وزير العمل من منصبه وتعيينه وزيرا للاقتصاد والتخطيط، إعفاء خالد العيسى نائب رئيس الديوان الملكي من منصبه ويعين وزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء، تعيين خالد العيسى عضوًا في مجلس الشؤون السياسية والامنية، تعيين حمد السويلم رئيسا للديوان الملكي بمرتبة وزير، إعفاء نائب وزير التعليم نورة الفايز ونائب وزير التعليم حمد آل الشيخ من منصبيهما، إعفاء عبدالرحمن الهزاع وتكليف عبدالله الجاسر بمنصب رئيس هيئة الاذاعة والتلفزيون، إضافة إلى الأمر بصرف راتب شهر لمنسوبي القوات المسلحة والأمنية.
(رويترز، اف ب، «المستقبل»)