انعقدت أمس في الرياض القمة التشاورية الخامسة عشرة لقادة دول مجلس التعاون الخليجي، التي جاءت بنكهة فرنسية عبر المشاركة غير المسبوقة للرئيس فرنسوا هولاند كأول رئيس غربي، فيما حملت القمّة جملة من «الرسائل الحازمة» تجاه التطورات في المنطقة وعلى رأسها مواجهة مخططات إيران في اليمن حيث تدعم تمرد الحوثيين، وكذلك دورها في سوريا والعراق وفلسطين، فكان التحذير من قبل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز من «الأطماع الخارجية» التي تتعرض لها المنطقة العربية وعمليات «توسيع النفوذ وبسط الهيمنة»، والتأكيد على أن لا دور لبشار الأسد في مستقبل سوريا، وتشديد القمة التشاورية على أن لا حل في فلسطين سوى بدولة فلسطينية على أراضي الـ67، ودعم استقرار لبنان والمطالبة بسرعة انتخاب رئيس للجمهورية.
وربما الرسالة الأبرز في هذه القمة هي المشاركة الرئاسية الفرنسية التي تعكس إرادة مشتركة لتطوير العلاقات الآخذة في التعزز، وسط ضعف اهتمام واشنطن بما يجري. وكان أبرز تعبير عن ذلك صفقة طائرات «رافال« لقطر قبل القمة، وبعد القمة العمل على مشاريع فرنسية في المملكة العربية السعودية بعشرات مليارات الدولارات. وكل ذلك يأتي قبل القمّة الأميركية ـ الخليجية في 13-14 أيار الجاري في كامب ديفيد في الولايات المتحدة.
وقال العاهل السعودي «يأتي لقاؤنا اليوم وسط ظروف صعبة وتحديات بالغة الدقة تمر بها منطقتنا وتستوجب منا مضاعفة الجهود للمحافظة على مكتسبات شعوبنا ودولنا، ومواجهة ما تتعرض له منطقتنا العربية من أطماع خارجية ترتكز في سعيها لتوسيع نفوذها وبسط هيمنتها، على زعزعة أمن المنطقة واستقرارها، وزرع الفتن الطائفية، وتهيئة البيئة الخصبة للتطرف والإرهاب».
وبشأن اليمن، قال الملك سلمان إن استجابة دول التحالف لمناشدة السلطة الشرعية في اليمن جاءت بعد أن رفض الانقلابيون الحوثيون مساعي مجلس التعاون والمجتمع الدولي نداءات السلام، ومنعاً لانزلاق اليمن نحو الفوضى والاقتتال .
وتطرق الى الازمة السورية داعياً الى تطبيق مقررات مؤتمر جنيف الاول، وقال «إننا نرى أن ما تضمنه بيان جنيف1 يمثل مدخلاً لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا، مع تأكيدنا على أهمية أن لا يكون لرموز النظام الحالي دور في مستقبل سوريا»، في إشارة إلى بشار الاسد من دون ان يسميه.
وفلسطينياً، قال الملك سلمان إنه «حان الوقت لقيام المجتمع الدولي بمسؤولياته وتفعيل دوره من خلال صدور قرار من مجلس الأمن الدولي يتبنى مبادرة السلام العربية ووضع ثِقله في اتجاه القبول بها»، مشددا على ضرورة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
أما هولاند فقال في كلمته التي ألقاها خلال حضوره للقمة التشاورية لقادة الخليج، إن «التهديدات التي تواجه الخليج تواجه فرنسا أيضا، ونريد أن نكون حليفا قويا وموثوقا لدول الخليج». وأضاف «اتفقنا مع الملك سلمان على رفع مستوى التعاون الدفاعي»، مشدداً على أن المنطقة تواجه تحديات من القاعدة وداعش، وأطماعا من دول خارجية.
ولفت الرئيس الفرنسي إلى أن باريس تعمل «على مساعدة المعارضة السورية المعتدلة، وندفع باتجاه حل سياسي في ليبيا حتى لا تغرق البلاد بالفوضى».
وفي الشأن اليمني قال «يمكنكم الاتكال على فرنسا لإرساء الاستقرار في اليمن، يجب تطبيق قرار مجلس الأمن حول اليمن دون تأخير، وأحيي موقف السعودية بالدعوة لمؤتمر حوار حول اليمن في الرياض».
وحول الملف النووي الإيراني أوضح الرئيس الفرنسي في كلمته أن «على طهران التعهد بعدم الحصول على سلاح نووي وحظر الأسلحة عليها يجب أن يبقى«، مع الإشارة إلى خبر أوردته وكالة الأنباء الفرنسية ليلاً نقلاً عن بيان للاتحاد الاوروبي أن المفاوضات الهادفة الى بلوغ اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الايراني ستستأنف في 12 ايار الجاري في فيينا.
وبعيد افتتاح القمة قال التحالف الذي تقوده السعودية ان المتمردين الحوثيين اطلقوا قذائف هاون على بلدة نجران جنوب المملكة. واغلقت مدارس المدينة ابوابها فيما اكد الناطق باسم التحالف الذي يشن عمليات ضد المتمردين في اليمن العميد الركن احمد عسيري، سقوط قذائف اطلقها الحوثيون على نجران، مشيرا الى ان مروحيات اباتشي قامت بالرد وضربت «اهدافا» للحوثيين. وقال للتلفزيون «نواصل التصدي لاعتداءات الحوثيين، وعمل اليوم لن يمر بدون رد».
وأعلنت إدارة الدفاع المدني عبر حسابها على «تويتر» أن سقوط تلك القذائف نتج عنها وفاة 3 أشخاص وبعض الإصابات إضافة إلى تضرر بعض منازل المواطنين والسيارات المتوقفة.
وفي البيان الختامي للقمة، دعا القادة الخليجيون والرئيس الفرنسي طهران إلى «اتخاذ القرارات الشجاعة والضرورية لطمأنة المجتمع الدولي بسلمية برنامجها النووي، والتأكيد على رغبتها في بناء علاقات تقوم على الثقة مع دول المنطقة بناءً على مبادئ القانون الدولي والأمم المتحدة التي تقوم على حسن الجوار وتمنع التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو استخدام القوة أو التهديد بها».
وفي شأن الازمة اليمنية، اكد البيان «مساندة جهود الحكومة الشرعية في اليمن لتحقيق عملية سياسية شاملة وإعادة السلام إليه بالتشاور مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية والأمم المتحدة ومع أصدقاء اليمن، ومساندة المبعوث الخاص لأمين عام الأمم المتحدة الجديد إلى اليمن اسماعيل ولد الشيخ أحمد في جهوده كوسيط بين الأطراف اليمنية».
ودعا البيان إلى «إعداد مرحلة انتقال سياسي سلمية وفق مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والتنفيذ الكامل والدقيق لقرار مجلس الأمن الدولي 2216».
وشددت الدول الخليجية وفرنسا على ان «اجتماع الرياض هو نقطة انطلاق لشراكة متميزة بين فرنسا ودول مجلس التعاون».
وأكد بيان خليجي ـ فرنسي منفصل عن القمّة، «تعزيز سيادة لبنان ووحدته واستقراره عبر دعم مؤسساته وبشكل خاص جيشه، ومناشدة الأطراف المعنية سرعة انتخاب رئيس للجمهورية» .
وفي مؤتمر صحافي لهولاند في مطار الملك خالد الدولي قبيل مغادرته الرياض أمس، أجاب على سؤال عن لقائه بالأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، فأجاب بالتأكيد على أن هناك تعاونا في إيجاد حلول عملية من أجل لبنان وأمنه والتأكيد على تنفيذ هذا التعاون بحصول لبنان على معدات عسكرية فرنسية حيث إن المملكة وفرت أغلبية التمويل، مؤكدًا أن هناك تعاونًا دائمًا بين البلدين منها تبادل المعلومات لمكافحة الإرهاب، مبينًا أنهما تناولا موضوع الإرهاب بجميع أوجهه.
وقال الرئيس الفرنسي كذلك إنه يتوجب مع هذه الأحداث في المنطقة اتخاذ قرارات قوية لأن فرنسا عضو في دول التحالف، لافتًا إلى أنها تدعم المعارضة المعتدلة في سوريا.
وقد تلقى الرئيس الفرنسي الاشتراكي «ضيف الشرف» في القمة دعوة غير مسبوقة توجه الى رئيس غربي منذ انشاء مجلس التعاون الخليجي في 1981 ويضم السعودية والبحرين والامارات والكويت وعمان وقطر.
واشادت دول الخليج بدءا بالسعودية بالحزم الفرنسي في المفاوضات مع طهران حول برنامجها النووي الذي يشتبه بأنه يخفي غايات عسكرية.
وسعت باريس وواشنطن الى طمأنة دول الخليج بشأن الاتفاق الدولي الذي يجري العمل على وضع اللمسات الاخيرة عليه بخصوص برنامج ايران النووي. وتخشى دول الخليج ان تتمكن ايران من تطوير قنبلة نووية في ظل الاتفاق الذي سيحد من قدراتها النووية مقابل تخفيف العقوبات الدولية عليها.
وبخصوص اليمن اكد هولاند لمضيفه السعودي في البيان المشترك «اهمية تطبيق قرار مجلس الامن الدولي 2216» الذي يطلب من المتمردين الموالين لإيران الانسحاب من جميع المناطق التي سيطروا عليها منذ بدء هجومهم في تموز 2014.
كما يشاطر هولاند موقف دول الخليج حيال ضرورة تنظيم مؤتمر للسلام لاطراف النزاع اليمني «في الرياض»، فيما يرفض الحوثيون وايران فكرة التفاوض عبر عدم تنفيذ قرارات مجلس الأمن واستمرارهم بقصف المدنيين تؤازرهم قوات عسكرية موالية للرئيس المخلوع علي صالح.
وافاد مصدر قريب من الملف ان فرنسا قدمت الى التحالف العربي بقيادة سعودية معلومات عسكرية الطابع على غرار صور التقطتها اقمار صناعية في اليمن.
وقبل التوجه الى الرياض كان هولاند حضر الاثنين في الدوحة حفل توقيع عقد بقيمة 6,3 مليارات يورو لبيع قطر 24 طائرة «رافال« من صنع شركة «داسو افياسيون» الفرنسية.
وأعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس امس، ان السعودية وفرنسا تبحثان في 20 مشروعا اقتصاديا بقيمة «عشرات مليارات اليورو» قد توضع اللمسات الاخيرة على بعضها «سريعاً«.