«إنّ أقدم الطرقات فقط ما زالت تؤدي إلى مكان ما».
الآن وقد انتهى موسم المطر في بيروت، تعود كل الأشياء ثقيلة على كتفي الراوي والرائي. لم يعد أمراً هيّناً أن نتكلّم عن أماكن أخرى، أو أن نتكلّم عن هذا المكان، أو أن نتكلّم أساساً. في المحاولة العاشرة لاستعادة ما كان، أبدأ بالعكس.
يوم وصلنا إلى بوكارا، رأينا نملاً يخرج من بطن الأرض. نملٌ أشقرٌ طويل يحفر الثقوب من الداخل إلى الخارج، يمشي خطوتين على التراب كالمخمور، ثمّ يطير. عشرات، مئات، ربّما آلاف منها، كانت تمتدّ إليها أيدي الأطفال الذين يسكنون ضفّة البحيرة، لتحاول إمساكها، قبل أن تفلت وتغزو الفضاء الغائم. عندما مرّ رجل من أهل البلدة، قال «إن هذا نذير يومٍ حارٍ شديد غداً». انتظرنا الغد، وفي اليوم التالي، أمطرت السماء بغزارة.
***
في كتمندو، نجاهد لنحفظ أسماء الآلهة الهندوسية. تملأ الشارع أصوات موسيقى وتسبيحات بوذية ينشدها كورس من الرجال. عندما يمشي الناس في السوق، تضيع الحدود بين المعتقدات، لكن لا يمرّ يوم واحد دون أن تسمع التسابيح. ستبدأ بترداد المانترا دون أن تنتبه عندما تخلو إلى نفسك، عندما تتوتّر من أمرٍ ما، أو بمجرد أن تفتح عينيك من نومٍ خفيف. ثم تعود لتدريب الذاكرة على الاحتفاظ باسم الإله في الصورة والحجر. الاحتفاظ بالأسماء مهم جدّاً، تقريباً بأهمية الاحتفاظ بالوجوه. الاحتفاظ بالأسماء والوجوه نوعٌ من ردّ الجميل، أو هكذا أحبّ أن أعتقد.
في كتمندو، كنت أتصالح مع ارتباكي من الحياة. كان الارتباك قد بدأ ينفصل عني ويصير كائناً مستقلاًّ، يقعد معي ويمشي إلى جانبي. ربما ساعد انفصالي المفاجئ عن مناطق الأمان المألوفة على انفصال الارتباك عني، وملازمته لي في الوقت نفسه.
عمارة الطوب الأحمر تخدع الحواس وتوحي بدفء دائم في الأيام الباردة. سكّان المدينة الفضوليون يروق لهم أن يستخدموا مفردات السعادة بثقةٍ عجيبة. نسيت أن أسألهم إذا ما كان لكتمندو أغنية عاطفية تشبه «بيروت يا قصة».
***
في الطريق إلى باتان، كانت سيارة العرس المركونة أمام خيمة ورديّة اللون أشد الأمور إذهالاً. كانوا يلصقون كل زهرة على حدة بشريط شفاف لاصق، في مواضع متفرّقة من مقدمة السيارة. أشعر أن أيّ قصيدةٍ عن كتمندو عليها أن تتضمّن وصفاً لكيفية إلصاق الأزهار البريّة على سيارات الزفاف، وعن الفتيات العاديات اللواتي يقدن «موتوسيكلات» إلى السوق، وعن باعة الأرصفة ومروّجي الماريوانا. لا ينقص هذه المدينة عنصر شِعري واحدٌ. مربّع «دربر» بمعابده ذات الطبقات، وحده ملحمة كُبرى.
في معبد سوايامبونات، حيث تتمشى مئات القردة في كل مكان، ننظر إلى كتمندو تحت سطوة الشمس الأولى. يغري منظرها باستخدام «الكليشيه» المجازي المعتاد عن المدينة «الناعسة». في هذه الحالة، يصحّ الوصف في حضور عيني بوذا الذابلتين، المحدّقتين في الوادي إلى الأبد.
- كتمندو هوّة سحيقة. تذكّرني بشيء قاله مسيح كازانتزاكيس.
- هل تحدّث مسيح كازانتزاكيس عن كتمندو؟
- لا. تحدّث عن الرب. قال إن الرب هوّة سحيقة. هوّة سحيقة جداً، وأفضّل ألّا أقترب منه إطلاقاً.
- لكنّك هنا.
- لست مسيح كازانتزاكيس. لا بأس من الاقتراب من الربّ، وكتمندو توحي بكل الأشياء سوى الخوف.
بدأ بائع الهدايا التذكارية يحكي الحكاية بحماسٍ كبير. يمكنني تصوّره يعيدها بالحبور نفسه مئات المرّات على مسمع مئات الزائرين. «كان وادي كتمندو في زمن آخر بحيرة ضخمة بين سلاسل الجبال، تتوسّطها زهرة لوتس وحيدة عظيمة. وكانت البحيرة مليئة بالأفاعي السامة، إلى أن أتى الإله مانجوشري وفتح بضربة من سيفه طريقاً لتصريف المياه من الوادي، حتى تهرب الأفاعي بعيداً. بعدها، منح الأرض الآمنة إلى شعب من الغجر الرحّل رعاة الماشية. هذه هي كتمندو الآن، وهذا المعبد حيث نقف قائمٌ مكان زهرة اللوتس الوحيدة. لقد صنع مانجوشري هذا لأجل شعبنا».
ننزل 365 درجة. على طرفيّ السلم، يجلس الشيوخ المتفرّغون للعبادة، عارضين وجوههم المطليّة، متخفّفين من الثياب. منذ أيام فقط بدت كتمندو بعيدة للغاية. شعرت بامتنان بالغ لمانجوشري أو لأيٍّ كان الذي صنع هذه المدينة على هيئتها. مدينة تقبل بأكثر من ثلاثة أو أربعة ألوان في قطعة ملابس واحدة هي بالتأكيد مدينة بالغة اللطف.
***
مساء الاثنين، يجتمع المؤمنون في باشوباتينات، أعظم أماكن العبادة الهندوسية حول كتمندو. سحابة من الدخان والغبار تطلع من مصطبة حرق الموتى على ضفة النهر وتلفّنا، فيما تُقام طقوس النار والبخور، وتلعب موسيقى الصلاة، التي تتحول كلّ قليل. القاعدون في تأمّل ينتقلون من الصلاة إلى الرقص، من الخشوع إلى الخشوع. تأتي العجوز لتجبر الجميع على المشاركة في الرقص. دخان المحرقة ما زال يرتفع: ليلة عادية للرقص والصلاة.
عندما أغادر المدينة، أنا وارتباكي معاً، أشعر أنّني أترك فيها سرّي دون أن تحمّلني هي سرّها. بعد أيام قليلة، ستبوح كتمندو بالسرّ المدمّر. رغم كل شيء، ما زلتُ أرغب في أن أبصر ما لا يُرى. وما زالت كتمندو وناسها أهلاً للشِعر.