كتبت دوللي بشعلاني في "الديار":
على الرغم من أنّ دعوة الهيئات الناخبة تُعدّ إجراء روتينياً وملزماً ضمن المهل القانونية، إلا أنّها جاءت هذه المرّة من دون صدور المراسيم التطبيقية، ومن دون أي تعديل تشريعي يعالج الثغرات القائمة، ما يجعلها خطوة شكلية لا تحسم المسار، بل تضع مجلس النواب أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها.
ويتمحور جوهر الأزمة، على ما تؤكّد مصادر سياسية مطلعة، حول ما يُعرف بـ"الدائرة 16"، التي ينصّ قانون الإنتخاب الحالي (رقم 44/ 2017) على تخصيصها لانتخاب ستة نواب يمثلون اللبنانيين غير المقيمين، موزّعين على القارات الست والطوائف الستّ الأساسية.
غير أن هذا النص بقي، منذ إقراره، من دون آلية تنفيذية واضحة. ولم تصدر مراسيم تنظّم كيفية الترشيح، أو توزيع المقاعد طائفياً وجغرافياً، أو احتساب الأصوات، أو الربط بين الدائرة 16 وبقية الدوائر.
ويُجمع خبراء قانونيون دستوريون على أنّ هذا الخلل ليس تقنياً أو إجرائياً، بل مسألة جوهرية يمسّ مبدأ صحة التمثيل والمساواة بين الناخبين، ويجعل تطبيق النص بحرفيته شبه مستحيل. فكيف يمكن تنظيم اقتراع عشرات أو مئات آلاف اللبنانيين المنتشرين في دول عربية وأجنبية، من دون تحديد واضح:
– من يترشّح وأين؟
– كيف تُحتسب الأصوات؟
– وكيف يُطبّق التوزيع الطائفي – القاري عملياً؟
وبحسب المصادر السياسية، فإن أي محاولة لإجراء إقتراع المغتربين من دون معالجة هذه الثغرة تشكّل مخاطرة قانونية جدّية، إذ تفتح الباب أمام طعون محتملة أمام المجلس الدستوري، قد تطال ليس فقط نتائج الدائرة 16، بل سلامة العملية الانتخابية ككلّ، لجهة وحدة المعايير، باعتبار أنّ القانون يُطبّق على فئة من الناخبين دون أخرى.
أمام هذا المأزق، يبرز سيناريو "العودة إلى الأصل"، أي السماح للبنانيين غير المقيمين بالاقتراع لنواب دوائرهم الـ15 داخل لبنان، كما حصل في انتخابات عامي 2018 و2022، عبر تعليق العمل مؤقتاً بنصّ النواب الستة. غير أنّ هذا الخيار، وفق إجماع الخبراء، لا يمكن أن يتمّ بقرار إداري من وزارة الداخلية أو بمرسوم حكومي، بل يحتاج إلى تدخّل تشريعي صريح من مجلس النواب، سواء عبر تعديل القانون أو عبر تعليق مواد محدّدة لمرة واحدة.
وفي غياب هذا التعديل، تبقى وزارة الداخلية والبلديات مقيّدة بالقانون النافذ، ما يجعل الدعوة إلى الاقتراع في الخارج، من دون حسم هذا الخيار، خطوة ناقصة قانوناً. وعلى صعيد اللبنانيين المقيمين، ترى المصادر السياسية بأنّ ما نصّ عليه المرسوم 2438، لجهة دعوة جميع هؤلاء الناخبين إلى الانتخاب في يوم واحد هو الأحد الواقع فيه 10 أيّار المقبل، يطرح تحديات لوجيستية وأمنية حقيقية، خصوصاً في الجنوب، حيث لا يزال احتمال عدم تمكّن عدد من الناخبين من الاقتراع في قراهم قائماً.
ولهذا فإنّ الخيارات المطروحة تتراوح بين إنشاء مراكز إقتراع بديلة داخل الأقضية، على ما توضح المصادر، أو نقل الصناديق إلى مناطق أكثر أماناً، أو اعتماد ترتيبات استثنائية بقرارات تنظيمية، وذلك في ظلّ عدم اعتماد "الميغاسنتر" الذي لا تزال تطرحه بعض الكتل النيابية كحاجة ملحّة، إلى جانب البطاقة الممغنطة.
إلا أنّ خبراء إنتخابيين يحذّرون من أنّ أي إجراءات إستثنائية يجب أن تكون مضبوطة قانوناً وبمعايير واضحة، تفادياً للطعن أو التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية.
غير أنّ المصادر نفسها تعتبر أنّ أي تأجيل لا يكون مجدياً ما لم يُستثمر لحسم ملف اقتراع غير المقيمين، وإلّا تحوّل إلى مجرّد ترحيل للأزمة، وفتح الباب أمام استحقاق أكثر تعقيداً في موعد لاحق. من هنا، تخلص إلى القول بأنّ الانتخابات النيابية المقبلة تقف اليوم على حافة فراغ تشريعي مقنّع. فدعوة الهيئات الناخبة حافظت على الشكل الدستوري، لكنها كشفت هشاشة المضمون.