بينما كانت الأنظار تتجه نحو العواصم المعنية ببلورة تفاهم أميركي – إيراني قد يُعيد رسم بعض معادلات المنطقة، جاءت الغارة
الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت لتشير إلى أن
إسرائيل تسعى إلى تثبيت وقائع أمنيّة وميدانيّة قبل أي تسوية محتملة.
وبرزت تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت عودة معادلة «المستوطنات مقابل الضاحية» تمثل محاولة لتعطيل التفاهم الأميركي – إيراني أو لتعديل شروطه في اللحظات الأخيرة، أم أنّها مجرد تصعيد محسوب يهدف إلى رفع سقف المكاسب قبل الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة. لكن المؤكد أن التطوّرات الأخيرة أعادت التذكير بأن أي تفاهم إقليمي كبير سيظل رهينة ما يجري على الجبهة
اللبنانية، حيث تتداخل حسابات الأمن والردع مع رهانات النفوذ والتسويات الكبرى.
وكتبت" الاخبار": حاولت اسرائيل استغلال سقوط مسيّرة تابعة للمقاومة على بعد مئات الأمتار من الحدود داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتشنّ غارة على الضاحية الجنوبية، بالتوازي مع تصعيد وتيرة القصف والتدمير في مناطق مختلفة من الجنوب.
وقد قرأ الجميع التصعيد
الإسرائيلي بوصفه جزءاً من سياسة تهدف إلى منع إدخال
لبنان، ولا سيما جبهة الجنوب والضاحية، ضمن أي تسوية إقليمية كبرى قد تنتج عن الاتفاق الأميركي-
الإيراني. فإطلاق المسيّرات باتجاه شمال إسرائيل وما تلاه من تطورات ميدانية، لم يُتعامل معه كحادث معزول، بل جرى توظيفه سريعاً في الداخل الإسرائيلي كذريعة سياسية وعسكرية لتوسيع نطاق الرد، وصولاً إلى استهداف العمق اللبناني. وقد جاءت الغارة على شقة في منطقة الغبيري كترجمة مباشرة لهذا التوجه، وهو ما لا يمكن فهمه إلا كرسالة مقصودة لإعادة فرض قواعد اشتباك تقوم على مبدأ واضح: إبقاء لبنان خارج أي هندسة تفاوضية إقليمية محتملة قد تفضي إليها المفاوضات الأميركية-
الإيرانية، وتثبيت معادلة ميدانية تمنع تحويل الجبهة اللبنانية إلى جزء من تسوية شاملة.
غير أن
إيران وحزب الله لم يكونا في وارد السماح لإسرائيل بترسيخ وقائع تُخرج لبنان من معادلة التفاوض أو تُضعف موقعه فيها.
وكتبت" الديار": لفتت مصادر واسعة الاطلاع إلى أن الاستياء الإسرائيلي من المسار التفاوضي الأميركي - الإيراني بلغ ذروته، معتبرة أن تل أبيب تحاول، وستواصل محاولة، عرقلة أي اتفاق بين واشنطن وطهران، أياً تكن الأدوات التي قد تلجأ إليها لتحقيق ذلك.
ورأت المصادر أن الموقف الذي عبّر عنه الرئيس الأميركي
دونالد ترامب عقب استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت غير مسبوق في لهجته ومضمونه، ويعكس حجم التباين القائم بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية في مقاربة الملفين الإيراني واللبناني.
وحذّرت المصادر من أن توقيع اتفاق أميركي - إيراني، وحتى ولو لحظ وقفا شاملا لإطلاق النار في لبنان، لا يعني بالضرورة التزام إسرائيل به على المدى
الطويل، مرجحة أن تلتزم به في المرحلة الأولى شكلياً مراعاةً للرئيس الأميركي، لكنها لن تتردد في العودة إلى سياسة التصعيد الميداني وعمليات الاغتيال واستهداف الأراضي اللبنانية متى رأت أن هناك ما تعتبره محاولة من «حزب الله» لإعادة تنظيم صفوفه أو ترميم قدراته العسكرية.
وتستند هذه القراءة، بحسب المصادر، إلى التجربة التي أعقبت تفاهم وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، حين واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية رغم سريان الاتفاق، مستفيدة من تفسيراتها الخاصة لبنوده ومقتضياته.
ورجحت المصادر أن يكون هناك أصلا تفاهم أميركي- إسرائيلي ضمني على حرية الحركة لإسرائيل حتى ولو تم توقيع التفاهم مع طهران، مضيفة:»إن الإصرار الأميركي على إنجاز الاتفاق بالسرعة الممكنة، مقروناً بالمواقف غير المسبوقة التي يطلقها ترامب، يكشف أن واشنطن باتت ترى في استمرار المواجهة المفتوحة في المنطقة عائقاً لمصالحها وخططها أكثر مما تمثله لطهران. وفي حين تبدو الإدارة الأميركية في سباق مع الوقت لإنجاز التفاهم، لا تزال إيران تتعامل معه بقدر كبير من التريث، بالتوازي مع الحديث عن تعقيدات وانقسامات داخلية ايرانية تحول دون اتخاذ القرار النهائي بشأن توقيعه».