في وقت اظهرت فيه الأرقام الأمنية الرسمية تراجعاً ملحوظاً في معظم أنواع الجرائم خلال الأشهر الممتدة بين آذار وأيار 2026، برز مؤشر واحد خارج السياق العام، حاملاً دلالات اجتماعية ونفسية مقلقة، وهو الارتفاع الكبير في حالات الانتحار بنسبة بلغت 31.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
وبحسب المعطيات المستندة إلى "
مجلة الأمن" الصادرة عن
المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي وإعداد "الدولية للمعلومات"، ارتفع عدد حالات الانتحار من 38 حالة بين آذار وأيار 2025 إلى 50 حالة خلال الفترة نفسها من العام الحالي، في وقت تراجعت فيه جرائم القتل والسرقة وسرقة السيارات بنسب متفاوتة.
هذه المفارقة تطرح تساؤلات جدية حول التحولات التي يشهدها
المجتمع اللبناني في ظل استمرار الحرب والتدهور الاقتصادي، إذ يبدو أن الخطر لم يعد يقتصر على الجرائم التقليدية، بل انتقل إلى داخل المنازل والعائلات، حيث تتراكم الضغوط النفسية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة.
الحرب تقتل بصمت
منذ اندلاع المواجهات العسكرية وتوسع دائرة التوترات الأمنية، يعيش اللبنانيون تحت وطأة القلق الدائم والخوف من المجهول. فالتهجير والنزوح وفقدان المنازل والأرزاق، إضافة إلى القلق اليومي المرتبط بالاستهدافات العسكرية، كلها عوامل تساهم في رفع مستويات التوتر والاكتئاب والاضطرابات النفسية. ومع استمرار هذه الظروف لفترات طويلة، يصبح بعض الأفراد أكثر عرضة للانهيار النفسي والشعور بالعجز وفقدان الأمل.
ويشير متخصصون في الصحة النفسية إلى أن الحروب الطويلة غالباً ما تؤدي إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، وهو ما ينعكس مباشرة على مؤشرات الانتحار، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية واجتماعية.
الاقتصاد... العامل الأكثر قسوة
إلى جانب الحرب، لا يمكن فصل ارتفاع حالات الانتحار عن الواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه
لبنان منذ سنوات. فالتضخم المستمر، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات البطالة، وإقفال المؤسسات وتراجع الحركة الاقتصادية، كلها عوامل تضغط على المواطنين بشكل يومي.
وخلال الأشهر الأخيرة، ازدادت تداعيات الحرب على الاقتصاد اللبناني، مع تسجيل خسائر كبيرة في قطاعات السياحة والتجارة والخدمات، ما أدى إلى تراجع فرص العمل وازدياد المخاوف من
المستقبل.
وفي ظل غياب شبكات الأمان الاجتماعي الفاعلة، يجد كثير من اللبنانيين أنفسهم أمام أزمات معيشية خانقة، من عدم القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية إلى العجز عن تسديد الأقساط والديون وتكاليف الاستشفاء والتعليم.
تراجع الجرائم لا يعني تحسن الأوضاع
ورغم أن انخفاض جرائم القتل والسرقة قد يُقرأ على أنه مؤشر إيجابي أمنياً، إلا أن ارتفاع الانتحار يكشف جانباً آخر من الأزمة. فالضغوط التي كانت قد تدفع البعض إلى ارتكاب جرائم ضد الآخرين، باتت في بعض الحالات تنعكس على أصحابها أنفسهم، في ظل شعور متزايد بالعزلة واليأس وانسداد الأفق.
لذلك، فإن قراءة الأرقام الأمنية بمعزل عن الواقع الاجتماعي والنفسي تبقى ناقصة. فالمجتمعات لا تُقاس فقط بعدد الجرائم المسجلة، بل أيضاً بمدى قدرتها على حماية أفرادها من الانهيار النفسي وفقدان الرغبة في الحياة.
جرس إنذار للدولة والمجتمع
الارتفاع الحاد في حالات الانتحار خلال أشهر الحرب يشكل جرس إنذار حقيقياً للسلطات
اللبنانية وللمؤسسات الصحية والاجتماعية. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على تعزيز الإجراءات الأمنية، بل يستدعي إطلاق برامج دعم نفسي واجتماعي واسعة النطاق، وتوسيع خدمات الرعاية النفسية، وتوفير خطوط المساعدة للفئات الأكثر هشاشة.
وفي بلد يواجه واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخه الحديث، تبدو أرقام الانتحار بمثابة مؤشر خطير على حجم المعاناة الصامتة التي يعيشها اللبنانيون، ومعركة لا تقل خطورة عن التحديات الأمنية والاقتصادية التي تتصدر المشهد يومياً.