تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

أنصتوا لأنين الجنوب.. الكلمات الكبيرة إهانة للألم

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
16-06-2026 | 09:30
A-
A+
أنصتوا لأنين الجنوب.. الكلمات الكبيرة إهانة للألم
أنصتوا لأنين الجنوب.. الكلمات الكبيرة إهانة للألم photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
مَنْ يملك اليوم ترف الكلام؟ مَنْ يجرؤ على اعتلاء المنابر ليقذف في وجوهنا شعاراتٍ باردة، بينما الجنوب يُقشَّر عن عظمه، وينزف إنساناً، وتاريخاً، وأعماراً؟
 
حين تطأ قدمك أرض الجنوب هذه الأيام، تسقط الحسابات كلها، وتتوارى الخلافات خجلاً؛ يكفيك أن تنظر إلى التلال لتدرك أن المعركة هنا لم تكن مجرد جبهات وتوازنات، بل كانت محاولة لاقتلاع الوجود من عروقه.
Advertisement
 
العدو الذي نواجهه لم يكتفِ بهدم السقوف فوق رؤوس أصحابها، بل مارس جشعاً يندى له جبين الإنسانية؛ سرق شجر الزيتون المعمر الذي شهد على طفولة أجدادنا، وفكك حديد الأنقاض الذي كان يوماً عصب البيوت ليبيعه ويتربح منه، في محاولة بائسة لفكفكة هويتنا قطعةً قطعة، وتحويل ذكرياتنا إلى غنائم خاوية.
 
ما رأيناه لا يمكن لعينٍ أن تنساه، ولا لقلبٍ أن يحتمل وطأته دون أن ينفطر. رأينا النبطية.. مدينتنا التراثية العريقة، "أم العلماء والمفكرين والأدباء"، التي طالما صدّرت الفكر والنور إلى العالم، وقد غدت حجارةً مبعثرة على الأرض.
 
حي السراي التاريخي، ذلك الشاهد الحي على هويتنا وعراقتنا، بذات الحجر النبطاني القديم الذي يحمل أنفاس الأجداد وبصماتهم، دُمّر بالكامل. سقط الحجر التاريخي الذي قاوم العقود، وانمحت زوايا كانت تضج بنقاشات الأدباء وشعر المفكرين، لتتحول الحاضرة الثقافية إلى ركام يشكو غدر الزمن وجور الحرب.
 
دعونا نبكي، دعونا نعيش إنسانيتنا المذبوحة من الوريد إلى الوريد.
 
الإنسان ليس قالباً حديدياً يُصبُّ فيه الموقف السياسي، الإنسان هو "رائحة العائلة" العالقة بين ثنايا الحجر الصامد، هو ضحكات الأولاد التي تتردد أصداؤها تحت الردم، وحكايات الأجداد في الأماسي الدافئة. وحين يأتي من يقبع هذا التاريخ ويهدم البيت، فمن الحق الإنساني البسيط، والبديهي، والفطري أن يصرخ المرء وجعاً، وأن يتهاوى باكياً دون أن يُطلب منه تجميل المأساة، أو قولبة حزنه ليتناسب مع قياس الشاشات والبيانات.
 
أي وجع هذا الذي يحتمله قلب؟ المأساة تجاوزت حدود الوصف الصحافي، والوجع ينكأ أرواحنا لأن الجرح ما زال مفتوحاً على المجهول، بلا سقف وبلا أفق.
أحباؤنا، فلذات أكبادنا الذين ارتقوا، لا يزال بعضهم في العراء... تحت ركام البيوت الممسوحة في القرى، أو بين ثنايا حي منكوب.
وفي قمة ذلك الذهول، وقفت امرأتان على كومة ركام في النبطية، تحملان رضيعاً يلفحه برد الفاجعة، وتنتظران بقلوب محترقة نبأ العثور على جثمان شهيدهما المدفون تحت أطنان الإسمنت. أي شعار يمكنه أن يواسي هاتين المرأتين؟ وأي خطبة عصماء تملك القدرة على تفسير هذا الانتظار المر لرضيعٍ لن يرى والده؟
 
أمام مشهد الشهداء الذين ينتظرون الدفن في العراء، وتباكي الأحياء الذين يذوقون سكرات الموت في اليوم مئة مرة وهم يتأملون خراب أعمارهم المبعثرة، تصبح الكلمات الكبيرة إهانة للألم، ويصبح الضجيج السياسي تدنيساً للمقدس.
 
إن احترام هذه الدماء، واحترام عذابات العائلات المشردة، يتطلب منا أولاً وقبل كل شيء أن ننحني إجلالاً أمام إنسانيتهم المهدورة، وأن نصمت ليتكلم دمعهم.
 
لقد مسحوا المعالم، نعم!
غيّروا جغرافيا الأرض وعاثوا فيها خراباً؛ من عيتا وعيترون وراميا، إلى مارون ويارون وبنت جبيل والخيام. جرحوا خربة سلم، وحداثا، والظهيرة، ويارين، والطيري، وحانين، والناقورة، وطير حرفا، وعديسة، وكفركلا، وعلما الشعب، وعيناثا، ومجدل سلم، وصولاً إلى قلب النبطية النابض. قائمة طويلة كطول صبرنا، تشمل كل نبضة في عروق هذا الجنوب المعذب.
 
ولكن، ضعوا السياسة جانباً وتأملوا معي قليلا: البيوت التي هُدمت كانت عمراً جُمع بعرق الفلاحين وكفاح الأمهات، وحي السراي مثلا لم يكن مجرد جدران، بل كان هويتنا الثقافية، والشجر الذي قُلع ارتوى من دموع الصبر وعشق الأرض.
 
إن سلبوا الحديد واستفادوا من الأنقاض، فهل يستطيعون سلب الهوية المحفورة في الصدور؟
 
البكاء لم يكن يوماً استسلاماً، ولا هو ضعف؛ كان أقصى درجات التمسك بالحياة، بالحب، وبالحق.
 
واليوم... "انتهت الحرب".
 
نعم، قد تبدو الكلمة بسيطة... ولكن خلفها وجعٌ يعجز البيان عن وصفه.
لقد تعبنا... وخسرنا... وبكينا... ولكننا ما انكسرنا. نحن شعوبٌ اعتادت أن تسقط، ولكن الأهم هو أننا نعرف كيف نعود لنقف من جديد.
إننا عائدون... ولسنا نعود كما كنا فحسب، بل نعود ونحن أكثر قوة، وأشد وعياً، وأبهى جمالاً.
نعود نعم؛ لأن الذي يصمد في وجه الفناء هو وحده الذي يستحق النصر.
قد يبدو الطريق اليوم طويلاً وشاقاً، ولكننا أهلٌ للمسؤولية، وسنعيد بناء وطننا ليكون أجمل مما كان بمئة مرة. وطالما أن هناك عيناً تدمع حنيناً، وقلباً يخفق برائحة العائلة، وسواعد ترفع الحجر من جديد، فإن الحكاية مستمرة، والجنوب سيبقى لأهله مهما طال الزمن.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المصدر: خاص لبنان 24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi