في ظل ترقب استئناف المفاوضات بين
الولايات المتحدة وإيران، يتقدم الملف اللبناني مجدداً إلى واجهة الحسابات الإقليمية، وسط محاولة أميركية للفصل بين مسار التفاهمات مع طهران والمسار التفاوضي الذي أفضى إلى "اتفاق الإطار" الخاص بلبنان، في مقابل سعي إيراني لإعادة إدراج
لبنان ضمن سلة التفاوض الإقليمي.
وتشير معلومات متقاطعة إلى أن الإدارة الأميركية تعمل على تثبيت مقاربة سياسية وأمنية تقوم على الفصل بين الملف اللبناني ومسار التفاوض الأوسع مع
إيران، حفاظاً على ما تعتبره مكتسبات سياسية وأمنية تحققت خلال المرحلة الماضية. في المقابل، ترى طهران وحلفاؤها أن التطورات الميدانية والسياسية المستجدة تفرض إعادة إدراج الملف اللبناني ضمن أي تفاهمات إقليمية مقبلة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن "اتفاق الإطار" لن يُعرض في المرحلة الحالية على مجلسي الوزراء أو النواب للمصادقة عليه، باعتباره لا يزال يشكل إطاراً سياسياً تفاوضياً ولم يتحول بعد إلى اتفاق نهائي أو معاهدة ملزمة، ما يجعل النقاش الدائر حوله محصوراً حتى الآن في الإطار السياسي، بعيداً عن الإجراءات الدستورية والتنفيذية النهائية.
وتؤكد المصادر أن المقاربة الأميركية تواجه تحديات ميدانية وسياسية متزايدة، أبرزها استمرار التعثر في ملف الانسحاب
الإسرائيلي من الأراضي
اللبنانية، في ظل مؤشرات متصاعدة إلى سعي
إسرائيل لفرض واقع أمني جديد في الجنوب.
ومع اقتراب استئناف الاتصالات الأميركية – الإيرانية عقب انتهاء مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، تتوقع مصادر متابعة أن تسعى طهران إلى إعادة طرح الملف
اللبناني على طاولة البحث، ما يضع "اتفاق الإطار" أمام مرحلة جديدة من الاختبار السياسي والعملي، بالتزامن مع اتساع دائرة الجدل الداخلي حول أهدافه ومآلاته.
وتشير أوساط متابعة إلى أن الانقسام الداخلي يتمحور حول رؤيتين أساسيتين: الأولى تتبناها رئاسة الجمهورية، التي تتمسك بالمسار التفاوضي المدعوم أميركياً و"اتفاق الإطار" باعتباره المدخل الممكن لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز دور الدولة اللبنانية؛ والثانية تمثلها عين التينة والقوى الداعمة لخيار التنسيق مع إيران، والتي ترى أن أي تسوية نهائية لا يمكن أن تنجح من دون مراعاة التوازنات والمصالح الإقليمية، وفي مقدمها المصالح الإيرانية.
ورغم هذا التباين، تؤكد الأوساط نفسها أن التفاهم بين المرجعيات الرسمية على أولوية حماية الاستقرار الداخلي ومنع الانزلاق إلى الفتنة لا يزال يشكل عامل اطمئنان أساسياً.
وفي هذا الإطار، رسم رئيس الجمهورية جوزاف عون ملامح المقاربة الرسمية للمرحلة المقبلة، مؤكداً أن "اتفاق الإطار" لا يمنح شرعية للاحتلال الإسرائيلي، بل يشكل آلية سياسية وأمنية تهدف إلى استكمال الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش .
وشدد عون على أن قرار فصل المسار اللبناني عن مسار التفاوض الإيراني – الأميركي هو قرار سيادي يهدف إلى تحصين الساحة الداخلية من تداعيات الصراعات الإقليمية، مع تأكيد التمسك بالحريات العامة ضمن سقف الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار. كما اعتبر أن إنهاء الحروب عبر التفاوض يتطلب شجاعة سياسية، مؤكداً أن الجيش سيكون الجهة الوحيدة المسؤولة عن حفظ الأمن والاستقرار في الجنوب بعد استكمال الانسحاب الإسرائيلي.
في المقابل، برز موقف المكتب السياسي لحركة أمل كأحد أبرز المواقف الرافضة لـ"اتفاق الإطار"، إذ اعتبرت الحركة مجددا أن بعض البنود المتعلقة بـ"المناطق التجريبية" والملحقات غير المعلنة تشكل محاولة لإعادة صياغة دور الجيش بما يتعارض مع مهمته الوطنية.
وأكدت الحركة أن المؤسسة العسكرية تمثل الضمانة الوطنية الجامعة، رافضة أي مقاربة قد تضعها في موقع يخدم المصالح
الإسرائيلية أو يكرس واقعاً أمنياً جديداً تفرضه إسرائيل بالقوة. كما شددت على أن الأولوية يجب أن تبقى لوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب الكامل وغير المشروط من الأراضي اللبنانية، مع انتشار الجيش وفقاً للتفاهمات القائمة، محذرة من استغلال التطورات الميدانية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية أو تعميق الانقسامات.
وفي موازاة السجال الداخلي، يتواصل الحراك الدبلوماسي المرتبط بالوضع اللبناني، حيث بحث قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع السفير المصري في لبنان علاء موسى التطورات الأمنية والسياسية، فيما جدد الجانب المصري تأكيده أهمية الدور المحوري الذي يؤديه الجيش في الحفاظ على الاستقرار وتنفيذ الترتيبات الأمنية المرتقبة.
أما على المستوى الدولي، فتواصل
الأمم المتحدة التعبير عن قلقها إزاء هشاشة الوضع في الجنوب. فقد حذرت المتحدثة باسم قوات "اليونيفيل"، كانديس آردييل، من "أن تراجع مستوى العنف لا يعني انتهاء المخاطر، مشيرة إلى أن أي تطور ميداني قد يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد".
كما شددت" على أهمية تجديد وتعزيز ولاية القوات الدولية باعتبارها عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار ومواكبة تنفيذ الالتزامات القائمة"، مؤكدة" استمرار دعم المجتمعات المحلية المتضررة من الحرب".
بدوره، أكد وكيل
الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر"أن الاحتياجات الإنسانية في جنوب لبنان لا تزال كبيرة، وأن إعادة إعمار المناطق المتضررة تتطلب استجابة دولية سريعة وواسعة النطاق".