لم يعد ملف "حزب الله" في لبنان محصوراً بسلاحه أو بنيته العسكرية فقط. فالتحدي الأكبر، بحسب تقرير لـ "Washington Institute"، يكمن في الشبكة الأوسع التي تسمح للحزب بالبقاء وإعادة بناء قوته: المال، المؤسسات، القضاء، الأمن، والغطاء السياسي.
ويرى التقرير الذي ترجمه "لبنان24" أن الاتفاق الثلاثي الذي وُقّع في 26 حزيران بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة زاد فرص استعادة الدولة
اللبنانية جزءاً من قرارها، لأنه ربط الانسحاب
الإسرائيلي من الجنوب بنشر
الجيش اللبناني ونزع سلاح "حزب الله" ضمن مناطق تجريبية. لكن هذا المسار، وفق التقرير، لن يكون كافياً إذا بقيت منظومة الحزب المالية والسياسية داخل الدولة قائمة.
الفكرة الأساسية أن نزع السلاح لا يعني بالضرورة تفكيك القدرة على إعادة التسلح. فحتى لو خسر "حزب الله" جزءاً كبيراً من بنيته العسكرية، فإن بقاء شبكاته المالية ومداخل نفوذه داخل مؤسسات الدولة قد يسمح له بإعادة بناء ترسانته لاحقاً.
لكن المشكلة، حسب التقرير، أن "حزب الله"، رغم خسائره العسكرية منذ تشرين الأول 2023، حافظ على تدفق الأموال. وينقل التقرير عن وزارة الخزانة الأميركية أن الحرس الثوري
الإيراني تمكن في عام 2025 من تحويل أكثر من مليار دولار إلى الحزب، في جزء كبير منها عبر شركات صرافة وشبكات مالية غير رسمية.
واستخدم الحزب هذه الأموال، بحسب التقرير، لاستيراد مواد عسكرية، وإنتاج مزيد من الصواريخ والطائرات المسيّرة الرخيصة، وتجنيد مقاتلين، ودفع رواتب عناصره وموظفيه.
اقتصاد نقدي خارج الرقابة
بعد الانهيار المالي في لبنان، تراجع دور القطاع المصرفي وحل مكانه نظام واسع قائم على الكاش، وشركات تحويل الأموال، والصرافين، وشبكات التحويل غير الرسمية. ويرى التقرير أن هذا التحول خدم شبكات غير شرعية، لأنه جعل تعقب الأموال وغسلها أكثر صعوبة.
وبحسب التقرير، يستفيد "حزب الله" من هذا النظام لتحريك أموال مصدرها مبيعات
النفط الإيراني، عبر شركات واجهة وشبكات خاصة في لبنان والمنطقة.
ويعتبر التقرير أن شركات الصرافة والتحويل أصبحت جزءاً أساسياً من هذه البيئة، لأنها تسمح بتدوير الأموال بعيداً عن الرقابة المالية الفعلية. كما يشير إلى أن هذا النظام محمي من حلفاء الحزب داخل مؤسسات مالية ورسمية، ومؤسسات الإنفاق العام.
ومن هنا، يدعو التقرير
الولايات المتحدة إلى التعامل مع الاقتصاد اللبناني بوصفه ساحة أمن قومي، عبر توسيع تحذيرات وزارة الخزانة وفرض عقوبات على الأفراد والشركات التي تسهّل تدفق الأموال إلى الحزب.
القضاء كغطاء سياسي
لا يقلّ القضاء أهمية عن المال في بنية نفوذ "حزب الله"، وفق التقرير. فالقدرة على الإفلات من المحاسبة تُعد إحدى أهم نقاط قوته السياسية.
ويقترح التقرير فرض عقوبات على قضاة متورطين في حماية الحزب أو استهداف خصومه، بالتوازي مع إصلاح المحكمة العسكرية ووقف محاكمة المدنيين أمامها.
الأمن والجيش
ويتحدث التقرير أيضاً عن اختراق الحزب لمؤسسات أمنية، بينها الجيش اللبناني وأجهزة أخرى. ويرى أن نجاح أي مسار لنزع السلاح يتطلب إصلاحات داخل الجيش، تشمل إبعاد ضباط ينسقون مع الحزب أو يحمون مصالحه.
ويقول إن بعض عناصر النفوذ داخل الجيش والمؤسسات الأمنية قد تعرقل أي عملية فعلية لنزع السلاح عبر تسريب معلومات أو تعطيل العمليات أو تخفيف الضغط الميداني.
كما يربط التقرير بين هذا النفوذ وبين الإرث الذي تركه الوجود السوري في لبنان قبل انسحابه عام 2005، إذ بقيت مؤسسات عدة، بحسب التقرير، خاضعة لشبكات حلفاء الحزب.
يرى التقرير أن "حزب الله" لا يستطيع الاستمرار من دون دعم داخل البيئة الشيعية. لكنه يقول إن هذا الدعم تراجع بعد الحروب المتكررة مع
إسرائيل، وما رافقها من دمار ونزوح وغياب ضمانات حقيقية لإعادة الإعمار.
ومع ذلك، لا تزال
المعارضة داخل البيئة الشيعية محدودة، لأن البديل الاقتصادي والسياسي غير واضح. فالمجموعات المعارضة للحزب، بحسب التقرير، منقسمة وضعيفة، فيما الدولة غير قادرة حتى الآن على تقديم نموذج يحل مكان شبكة الخدمات والمال والنفوذ التي بناها الحزب.