يواجه مشروع خط أنابيب الغاز الروسي "قوة سيبيريا-2" تحديات متزايدة قد تعرقل تنفيذه، بعدما تمسكت الصين بالحصول على الغاز الروسي بسعر منخفض، يرى خبراء أنه لا يحقق الجدوى الاقتصادية للمشروع، ما يمثل انتكاسة جديدة لمساعي موسكو لإيجاد بديل عن السوق الأوروبية بعد الحرب في أوكرانيا.
وبحسب تقارير، تطالب بكين بشراء الغاز بسعر يقارب 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب، في حين تشير تقديرات محللين إلى أن روسيا تحتاج إلى سعر لا يقل عن 125 دولارًا لكل ألف متر مكعب لتغطية تكاليف المشروع وتحقيق الحد الأدنى من العائد الاقتصادي.
مشروع استراتيجي يواجه اختبارًا صعبًا
تستمر المفاوضات بشأن "قوة سيبيريا-2" منذ نحو عشر سنوات، وهي فترة مماثلة لتلك التي سبقت تنفيذ خط "قوة سيبيريا-1"، الذي أصبح المنفذ الرئيسي لصادرات الغاز الروسي إلى آسيا بعد توقف إمدادات خطوط "نورد ستريم" إلى أوروبا عام 2022.
ورغم نجاح روسيا في إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إلى الأسواق الآسيوية عقب العقوبات الغربية، فإن قطاع الغاز يواجه تحديات أكبر بسبب اعتماده على خطوط الأنابيب، التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات تنفيذ طويلة.
ويمتد مشروع "قوة سيبيريا-2" من حقول يامال في شمال روسيا مرورًا بمنغوليا وصولًا إلى شمال الصين، بطاقة تصميمية تبلغ 50 مليار متر مكعب سنويًا، مقارنة بطاقة 35 مليار متر مكعب لخط "قوة سيبيريا-1" العامل حاليًا بكامل قدرته.
بكين تتمسك بشروطها
كانت موسكو تأمل في إحراز تقدم خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأخيرة إلى بكين، إلا أن تقارير أفادت بأن الجانب الصيني طلب تأجيل مناقشة المشروع خلال الزيارة.
ويتركز الخلاف حول سعر الغاز، إذ تسعى الصين إلى الحصول على الإمدادات بأسعار قريبة من الأسعار المحلية المدعومة، والبالغة نحو 50 دولارًا لكل ألف متر مكعب.
ويُعد هذا السعر أقل بكثير من متوسط أسعار الغاز الروسي المصدر إلى الصين، والذي تتوقع موسكو أن يبلغ 258.8 دولارًا لكل ألف متر مكعب خلال العام الجاري، مقابل نحو 420.2 دولارًا لعملاء شركة "غازبروم" في أسواق أخرى، مع توقع انخفاضه إلى 223.9 دولارًا في العام المقبل.
ويرى محللون أن الموقف الصيني يتجاوز كونه تفاوضًا تجاريًا، إذ يفرض شروطًا قد تجعل تنفيذ المشروع غير قابل للتطبيق اقتصاديًا.
جدوى المشروع على المحك
ويقدر سيرغي فاكولينكو، الباحث في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا والمسؤول السابق في "غازبروم"، أن المشروع يحتاج إلى سعر يقارب 125 دولارًا لكل ألف متر مكعب عند الحدود الصينية حتى يغطي تكاليفه.
ويؤكد أن العرض المتداول من الجانب الصيني، إذا صح، يصعب على موسكو قبوله، وقد يؤدي في النهاية إلى تجميد المشروع الذي تعول عليه روسيا لتعزيز صادراتها من الغاز.
كما يرى فاكولينكو أن توسيع صادرات الغاز إلى الصين لن يعوض العائدات التي كانت تحققها روسيا من السوق الأوروبية قبل الحرب، إذ تشير تقديراته إلى أن صافي الإيرادات السنوية قد يتراوح بين 2.5 و4.3 مليار دولار، مقارنة بنحو 20 مليار دولار كانت تحققها صادرات الغاز إلى أوروبا سابقًا.
ميزان القوى يميل لصالح الصين
يعكس الخلاف تغيرًا في موازين القوة بين البلدين، إذ أصبحت روسيا تعتمد بدرجة أكبر على الصين باعتبارها أكبر مشترٍ متبقٍ للغاز الروسي، بينما تواصل بكين تنويع مصادر الطاقة عبر خطوط الأنابيب القادمة من آسيا الوسطى، وواردات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة.
ويمنح هذا التنوع الصين مرونة أكبر في المفاوضات، في حين تبدو روسيا الطرف الأكثر حاجة لإنجاز الاتفاق.
وفي حال استمرت بكين في التمسك بشروطها السعرية، فقد يبقى مشروع "قوة سيبيريا-2" مؤجلًا، ما سيدفع موسكو إلى تكثيف جهودها لتوسيع إنتاج الغاز الطبيعي المسال وإيجاد أسواق بديلة لتصريف احتياطياتها، رغم ما يتطلبه ذلك من استثمارات كبيرة ووقت طويل قبل تحقيق نتائج ملموسة.