حين تتبدّل وجهات الكاميرات وتتزاحم عدسات الفضائيات نحو القرى المنسية على حواف الجغرافيا، يعتقد المرء لوهلة أن العالم قد استيقظ أخيرًا. هكذا تصبح
زوطر الغربية، كغيرها من القرى التي أثقلتها شظايا الأيام ووجع الحدود، عنوانًا عاجلًا على شاشات النشرات الإخبارية، ومادةً دسمةً لتقارير المراسلين الحربيين الذين يتسابقون لتوثيق اللحظة بكل ما تحمله من هلع وغبار.
تصل طواقم التصوير مدججة بالمعدات، تبحث عن زاوية تختصر المأساة في لقطة واحدة. يرتدي الصحافيون ستراتهم الواقية الممهورة بكلمة PRESS، ويتنقلون بين الركام، ويجرون مقابلات خاطفة مع من بقي في البلدة، ثم ينتهي النهار.
تغادر سيارات البث المباشر محمّلةً بالصور، وتعود إلى استوديوهات العواصم، حيث يُعاد إنتاج المشهد في تقارير مصقولة تجذب المشاهدين، فيما يبقى المكان وحيدًا بعد انطفاء الكاميرات.
وما إن يخفت صخب التغطية الإعلامية حتى يبدأ الفصل الأصعب بالنسبة إلى الأهالي.
فالبيوت المهدمة لا يعيدها
تقرير إخباري، والأرزاق التي ضاعت لا تستعيدها نشرات الأخبار، والخوف الذي استقر في النفوس لا تبدده عدسات الكاميرات. يعود السكان إلى مواجهة واقعهم كما هو: دمار يطاول المنازل والبنية التحتية، وخراب اقتصادي يثقل كاهل العائلات، وعدم استقرار يجعل أي حديث عن العودة إلى الحياة الطبيعية مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
وفي زوطر، كما في كثير من القرى الجنوبية، لا تنتهي آثار الحرب بانتهاء القصف، بل تبدأ معركة يومية مع القلق والترقب.
يعيش الأهالي على وقع احتمال تجدد التوتر في أي لحظة، فيما يتحول
المستقبل إلى مساحة مفتوحة على الاحتمالات، لا يرافقها يقين ولا تطمينات.
المفارقة أن الصورة التي تتصدر الشاشات لا تعكس سوى جزء صغير من الحقيقة. فالركام الذي يظهر في اللقطة يبقى على حاله بعد انتهاء البث، والوجوه التي تتحدث أمام الكاميرا تعود إلى حياتها المثقلة بالخسارات، فيما يغيب الاهتمام الإعلامي تدريجيًا مع انتقال الحدث إلى مكان آخر.
هكذا، تبقى زوطر الغربية رهينة أمرها الواقع.
تُستحضر كلما اشتعلت
الجبهة، وتُنسى كلما هدأت، فيما يستمر أهلها في العيش بين رماد الأيام وخوفٍ من غدٍ لا تزال ملامحه غامضة، في انتظار لحظة لا تكون فيها قريتهم مجرد خبر عابر، بل قضية تستحق أن تبقى حاضرة حتى بعد أن تغادرها الكاميرات.