رأت صحيفة "Foreign Policy" أن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بدأ، بعد أشهر قليلة من توليه منصبه، في رسم ملامح نهجه الخاص في إدارة إيران، ولا سيما على مستوى المؤسسة العسكرية والأمنية. وتعتبر الصحيفة أن الخطوات التي اتخذها مؤخرًا تشير إلى أن القيادة الإيرانية تستعد لاحتمال خوض حرب طويلة الأمد، بدلًا من التعامل مع المواجهة الحالية باعتبارها أزمة قصيرة يمكن احتواؤها سريعًا.
وبحسب التقرير الّذي ترجمه "
لبنان 24"، تبرز في هذا السياق أهمية تعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، إلى جانب اختياره ممثلًا للمرشد في المجلس. ويُنظر إلى رضائي باعتباره شخصية عسكرية وأمنية ذات خبرة طويلة، بعدما أمضى سنوات في قيادة الحرس الثوري الإيراني، وكان من أبرز
القادة خلال الحرب الإيرانية-العراقية.
وترى الصحيفة أن إعادة رضائي إلى موقع متقدم في منظومة صنع القرار الأمني تحمل دلالات مهمة، خصوصًا أن الرجل ينتمي إلى الجيل القديم من قادة الحرس الثوري الذين راكموا خبرة مباشرة في إدارة الحروب والأزمات العسكرية. وبالتالي، فإن الاستعانة به في هذه المرحلة قد تعكس رغبة مجتبى خامنئي في الاستفادة من خبرة شخصيات عسكرية مخضرمة في مواجهة الظروف الجديدة التي تمر بها إيران.
وتشير Foreign Policy إلى أن أهمية الخطوة لا ترتبط بشخص رضائي وحده، بل بالسياق الأوسع الذي تأتي فيه. فمجتبى خامنئي يعمل على إعادة ترتيب القيادة الأمنية والعسكرية بعد انتقال السلطة إليه، ويبدو أنه يسعى إلى إحكام سيطرته على المؤسسات التي تشكل العمود الفقري للنظام الإيراني، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستفادة من خبرات القيادات التي خدمت في عهد والده.
وبحسب قراءة المجلة، فإن المرشد الجديد لا يكتفي بإدارة المنظومة التي ورثها عن علي خامنئي، بل بدأ تدريجيًا في تشكيل فريقه الخاص. ويشمل ذلك الاستعانة بشخصيات تتمتع بخبرة طويلة في المؤسسة العسكرية والأمنية، وهو ما قد يساعده على تثبيت سلطته في مرحلة تتسم بارتفاع المخاطر الأمنية والعسكرية.
وتكتسب هذه التغييرات أهمية أكبر في ظل استمرار المواجهة بين إيران وخصومها. فإعادة شخصيات ذات خلفية عسكرية قوية إلى مواقع أساسية في الدولة توحي، وفق التقرير، بأن طهران تتعامل مع احتمال استمرار الحرب لفترة طويلة، وأنها تريد أن تكون مؤسساتها الأمنية والعسكرية أكثر استعدادًا للتكيف مع حرب ممتدة واستنزاف طويل.
وترى Foreign Policy أن مجتبى خامنئي يواجه في الوقت نفسه تحديين متلازمين: الأول هو تثبيت سلطته داخل النظام الإيراني بعد انتقال القيادة، والثاني هو إدارة المؤسسة العسكرية في ظروف حرب وضغوط خارجية متزايدة. ولذلك، فإن اختياراته للقيادات الأمنية قد تكون من أهم المؤشرات على طبيعة حكمه في المرحلة المقبلة.
ويشير التقرير إلى أن محسن رضائي يمثل حلقة وصل بين الجيل السابق من القادة العسكريين والقيادة الإيرانية الجديدة. فإلى جانب خبرته الطويلة في الحرس الثوري، يتمتع رضائي بخبرة سياسية وأمنية واسعة، ما يجعله شخصية مناسبة للعب دور في التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في وقت تحتاج فيه طهران إلى قدر أكبر من التنسيق الداخلي.
كما ترى المجلة أن عودة القيادات العسكرية المخضرمة قد تكون مرتبطة بالحاجة إلى إعادة تنظيم عملية صنع القرار في إيران، خصوصًا في ظل الظروف التي فرضتها الحرب. فكلما طال أمد المواجهة، أصبحت قدرة القيادة على إدارة الموارد العسكرية والأمنية، والحفاظ على تماسك المؤسسات، واتخاذ قرارات استراتيجية أكثر أهمية.
ولا تعتبر Foreign Policy هذه التغييرات مجرد تبديل في المناصب، بل تقرأها باعتبارها جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للمنظومة التي ستدير الحرب والمرحلة المقبلة. فمجتبى خامنئي، بحسب التقرير، يريد أن يحيط نفسه بقيادات يمكن الاعتماد عليها في حال استمرت المواجهة، وأن يضمن أن تكون مراكز القرار الأساسية تحت قيادة شخصيات تمتلك خبرة في التعامل مع النزاعات الطويلة.
ومن هذا المنطلق، يحمل تعيين رضائي رسالة تتجاوز الداخل الإيراني، إذ يمكن أن يُفهم أيضًا باعتباره إشارة إلى أن طهران لا تبني استراتيجيتها على افتراض انتهاء سريع للمواجهة. بل إن القيادة الجديدة تبدو مستعدة للتعامل مع حرب قد تستمر، وما يرافقها من ضغوط عسكرية وسياسية واقتصادية.
وتخلص Foreign Policy إلى أن مجتبى خامنئي بدأ بالفعل في وضع بصمته على المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية، وأن اختياراته للقيادات تكشف عن توجه نحو الاستعداد لصراع طويل. ومن خلال الجمع بين قيادات جديدة ووجوه عسكرية مخضرمة مثل رضائي، يحاول المرشد الإيراني بناء منظومة أكثر تماسكًا قادرة على إدارة مرحلة قد تكون من أصعب المراحل التي يواجهها النظام الإيراني.