يعود ملف دعم الجيش اليوم إلى باريس، لكن من باب التحضير مرة أخرى. فالاجتماع الذي تستضيفه فرنسا ليس مؤتمر المانحين المنتظر، ولا محطة لتوزيع الأموال والمعدات، وإنما لقاء للخبراء والوفود العسكرية يهدف إلى تقييم الوضع الأمني، والاستماع إلى حاجات الجيش وقوى الأمن الداخلي، والتنسيق بين الدول الراغبة في تعزيز قدراتهما، تمهيدًا لمؤتمر دولي أوسع يُفترض أن يأتي لاحقًا.
قد يبدو المشهد مألوفًا. ففي 24 شباط الماضي، استضافت القاهرة اجتماعًا تحضيريًا مشابهًا لمؤتمر كان مقررًا في باريس في 5 آذار، قبل أن تطيح الحرب الإقليمية بالموعد وتعيد الملف إلى نقطة الانتظار. وبعد أكثر من ستة أشهر، يعود التحضير من جديد، فيما بقي المؤتمر النهائي نفسه مؤجلًا. لكن شيئًا أساسيًا تغير خلال هذه الفترة: ساعة اليونيفيل بدأت تقترب من موعدها الأخير، بعدما قرر
مجلس الأمن إنهاء عملياتها في 31 كانون الأول 2026 وبدء انسحابها المنظم خلال العام التالي.
هنا يصبح السؤال أكبر من حجم المساعدة التي قد يحصل عليها الجيش. فالمؤسسة العسكرية التي يطلب منها تثبيت سلطة الدولة وحصرية السلاح تستعد أيضًا لجنوب ستتغير فيه، خلال أشهر، طبيعة الحضور الدولي الذي استمر لعقود. في المقابل، لا تزال
إسرائيل موجودة على أراض لبنانية، وتتواصل الاعتداءات، فيما أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون قبل أيام أنه "لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي"، وأُرجئت جولة روما التالية إلى تشرين الأول. فهل يُحضَّر الجيش اليوم لاستلام الجنوب، أم للاستعداد لمسؤولية لم تُحسم بعد شروط ممارستها؟
تحضير يتكرر.. لكن
لا يكمن الفارق بين اجتماع القاهرة في شباط واجتماع باريس اليوم في ستة أشهر مرت بينهما. يومها، كان الهدف المباشر حشد التمويل والمعدات والقدرات للجيش وقوى الأمن، وقد عرض قائد الجيش رودولف هيكل والمدير العام لقوى الأمن الداخلي رائد عبد الله حاجات المؤسستين أمام الشركاء الدوليين. أما اليوم، فيعود الملف نفسه بعدما أصبحت نهاية مهمة اليونيفيل تاريخًا محددًا لا مجرد احتمال سياسي، ما يجعل مسألة دعم الجيش مرتبطة أيضًا بالسؤال عمن سيملأ المساحات التي سيتركها تقلص الحضور الدولي.
المسألة هنا لا تُختصر بعدد الجنود أو المدرعات. فمهمة اليونيفيل تشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش، والمساعدة في تأمين الوصول الإنساني والعودة الآمنة للنازحين، فضلًا عن دورها الميداني في منطقة العمليات والتنسيق المرتبط بتنفيذ القرار 1701. وحتى قرار إنهاء المهمة لم يتعامل معها كوجود يمكن إطفاؤه بضغطة واحدة؛ فقد منح عملية الخفض والانسحاب عامًا كاملًا، وأبقى للقوة خلاله وظائف تتعلق بالأمن والمراقبة وحماية أفراد
الأمم المتحدة وممتلكاتها.
لذلك، لا يكفي أن يُقال إن الجيش سيصبح المسؤول عن الأمن في الجنوب بعد اليونيفيل. القرار 2790 نفسه يضع هذه الغاية في صلب مرحلة الانسحاب، لكنه يضع إلى جانبها مطلبًا آخر لا يقل وضوحًا: انسحاب القوات
الإسرائيلية من الأراضي
اللبنانية وبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها على كامل أراضيها. وهذا يعني أن انتقال المسؤولية يفترض، نظريًا، مسارين يسيران معًا: تعزيز قدرة الدولة من الداخل، وإزالة ما يمنعها من ممارسة هذه القدرة على الأرض.
جيش يستعد.. ومسار سياسي ينتظر
المشكلة أن المسارين لا يتحركان بالسرعة نفسها. ففي الوقت الذي يجتمع فيه الشركاء في باريس للبحث في القدرات التي يحتاجها الجيش، لا يزال المسار الذي يفترض أن يحدد شكل الانسحاب
الإسرائيلي وترتيبات الجنوب متوقفًا. فقد أرجئت جولة روما التي كانت مقررة في أيلول إلى تشرين الأول، وأعلن عون من النبطية في 12 أيلول أنه لا مفاوضات جديدة مع إسرائيل في الوقت الحالي، واضعًا الانسحاب وعودة الأسرى والنازحين وإعادة الإعمار في خانة الثوابت التي تتمسك بها الدولة.
ينتج عن ذلك تناقض عملي يصعب على أي مؤتمر دعم أن يحله وحده. فالمجتمع الدولي يستطيع تمويل رواتب أو تدريب وحدات أو توفير آليات واتصالات ومعدات لوجستية، ويمكن للجيش أن يضع خططًا للانتشار ويتوسع في مناطق جديدة، لكن القوة العسكرية لا تصنع وحدها الظروف السياسية التي تسمح لها بأداء المهمة. قد يكون من الأسهل تأمين آلية للجيش من تأمين الأرض التي يفترض أن تستخدم عليها، خصوصًا عندما تبقى أجزاء من الجنوب تحت الوجود الإسرائيلي وتظل الضربات قادرة على تغيير الواقع الميداني في أي وقت.
هذه هي النقطة التي تجعل مؤتمر الدعم المرتقب مختلفًا عن مجرد حملة تمويل أخرى. فكل زيادة في قدرات الجيش ترفع في المقابل سقف ما سيُطلب منه، من الانتشار وبسط سلطة الدولة إلى التعامل مع ملف السلاح وتثبيت الأمن بعد تقلص دور اليونيفيل. إلا أن رفع القدرة لا يلغي الحاجة إلى ترتيب سياسي يحدد أين تنتهي مهمة إسرائيل، ومتى تصبح الأرض متاحة بالكامل للدولة، وما الذي سيبقى من الوظائف الدولية بعد انسحاب القوة الأممية. وإذا بقيت هذه الأسئلة معلقة، قد يجد الجيش نفسه أقوى من السابق من حيث الإمكانات، فيما تبقى مهمته مقيدة بالشروط نفسها التي لم يكن يملك أصلًا قرار تغييرها.