أثار قرار الولايات المتحدة سحب كافة قاذفاتها من قاعدة "RAF Fairford" في جنوب إنكلترا تساؤلات حول مستوى التهديد الذي تواجهه المنشآت العسكرية الأميركية في بريطانيا، خصوصاً أن الخطوة جاءت بعد أيام من توقيف أشخاص للاشتباه بتورطهم في مخطط إرهابي قرب القاعدة، وسط شبهات بوجود صلة بإيران.
وبحسب تقرير تحليلي نشرته مجلة "TIME"، سحبت الولايات المتحدة خلال عطلة نهاية الأسبوع نحو 12 قاذفة من طراز B-1 كانت متمركزة في القاعدة، وأعادتها إلى قواعدها داخل الولايات المتحدة. وأكد مسؤول في
وزارة الدفاع الأميركية أن جميع القاذفات التي كانت منتشرة في "RAF Fairford" عادت إلى قواعدها الأصلية، مشدداً على أن القوات الجوية الأميركية تنقل قاذفاتها بشكل روتيني حول العالم وفقاً لمتطلبات الجاهزية والعمليات.
ولم يعلن البنتاغون أن الانسحاب جاء رداً مباشراً على التهديد الذي استهدف القاعدة، كما أكد
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن عمليات نقل القاذفات ليست أمراً غير معتاد، وأن
واشنطن لا تزال تثق بأمن قواعدها وبالتعاون
البريطاني.
لكن توقيت الخطوة لافت، إذ جاء بعد اعتقال خمسة بريطانيين في 27 أيلول للاشتباه بارتكاب جرائم مرتبطة بالمتفجرات والإرهاب، بعد بلاغ عن تحركات مشبوهة قرب القاعدة. وفي الأول من تشرين الأول، أوقفت الشرطة
البريطانية مواطناً يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية للاشتباه بارتباطه بالقضية، قبل الإفراج عن جميع الموقوفين بكفالة.
وينقل التقرير عن ديفيد دن، أستاذ السياسة الدولية في جامعة برمنغهام، وصفه قرار سحب القاذفات بأنه "تاريخي وغير مسبوق"، معتبراً أنه يعكس مستوى القلق بشأن سلامة الأصول العسكرية الأميركية في القواعد المتقدمة خارج الولايات المتحدة.
ويشير دن إلى أن "Fairford" لطالما كانت نقطة مهمة تلجأ إليها واشنطن خلال الأزمات لتعزيز قدراتها العسكرية، سواء في العمليات الأوروبية أو في
الشرق الأوسط، وبالتالي فإن إخراج القاذفات منها يعكس، بحسب رأيه، مخاوف بشأن أمن القوات والطائرات في القواعد المتقدمة.
وتقول "TIME" إن تقريراً لصحيفة "نيويورك تايمز" أفاد بأن قادة أميركيين تلقوا معلومات جديدة بشأن مخطط مدعوم من
إيران لاستهداف القاعدة، لكن المجلة أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هذه المعلومات.
هل تقف إيران وراء المخطط؟
أعرب مسؤولون بريطانيون وأميركيون عن الاشتباه بوجود دور إيراني في المخطط. وقال رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام إن هناك "مؤشرات قوية" على أن إيران لعبت دوراً في ما حدث، مع التشديد على أن التحقيق لا يزال مستمراً ومعقداً.
في المقابل، نفت إيران بشدة أي علاقة لها بالمخطط، ورفضت سفارتها في لندن محاولات ربط طهران بالاعتقالات. كما اتهم وزير الخارجية
الإيراني عباس عراقجي بريطانيا بالسير في الاتجاه الخاطئ في اتهاماتها.
ويرى دن أن عدم امتلاك إيران القدرة على مهاجمة القواعد البريطانية مباشرة لا يلغي احتمال تهديدها للأصول الأميركية، مشيراً إلى إمكانية استخدام وكلاء أو شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات تؤثر في عمل قاعدة مثل "Fairford".
قاعدة أساسية للعمليات الأميركية
تُعد "RAF Fairford" قاعدة متقدمة للقوات الأميركية وموقعاً مخصصاً لنشر القاذفات ضمن منظومة حلف شمال الأطلسي. ووفق "TIME"، استخدمتها الولايات المتحدة بشكل واسع خلال نزاعات سابقة، بينها حرب العراق عام 2003، وتصفها القوات الجوية الأميركية بأنها موقعها المفضل في أوروبا لتشغيل القاذفات.
كما سمحت بريطانيا للولايات المتحدة باستخدام القاعدة في عمليات ضد إيران، بعدما كانت قد رفضت في البداية طلباً أميركياً بهذا الشأن قبل أن تغير موقفها لاحقاً.
وكان الحرس الثوري الإيراني قد حذّر من أن القاعدة يمكن أن تصبح هدفاً بسبب استخدامها من القوات الأميركية، معتبراً أن استخدام الأراضي البريطانية في العمليات العسكرية يجعل بريطانيا طرفاً في الحرب.
وبالتالي، يرى التقرير أن سحب القاذفات لا يعني بالضرورة توقف العمليات الأميركية، لكنه يسلط الضوء على المخاطر التي تواجهها واشنطن عند نشر قدراتها الهجومية في قواعد متقدمة، وعلى مدى حساسية أمن هذه المواقع في ظل التوتر المتصاعد مع إيران.