على مدى نحو 80 عاماً، شكّل الحزبان التقليديان في ألمانيا، الحزب الاشتراكي الديمقراطي "SPD" والتحالف المسيحي الديمقراطي-المسيحي الاجتماعي "CDU/CSU"، العمود الفقري للحكومات المتعاقبة، لكن نفوذهما الانتخابي تراجع بصورة حادة، في وقت تتقدم فيه أحزاب من اليمين واليسار على حساب الوسط السياسي.
وبحسب تقرير نشره موقع "GZERO Media"، حصل الحزبان في عام 1994 على نحو 80% من أصوات الناخبين مجتمعين، بينما تراجعت حصتهما إلى أقل من 50% في انتخابات عام 2025. ويشير التقرير إلى أن الحزبين يحكمان ألمانيا حالياً ضمن ائتلاف وصفه بأنه "غير مريح".
ولا تقتصر هذه الظاهرة على ألمانيا. فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، خسرت الأحزاب الوسطية نحو 30% من دعمها في فرنسا وبريطانيا، بينما سجلت النمسا وهولندا والسويد تراجعات من خانة العشرات. وفي المقابل، ارتفعت حصة الأحزاب الشعبوية، وخصوصاً اليمينية، من أقل من 7% من أصوات الناخبين
الأوروبيين قبل نحو عقدين إلى قرابة الربع حالياً.
ويربط التقرير هذا التحول بعوامل عدة، بينها التدهور الاقتصادي، وردود الفعل على الهجرة بعد أزمة عام 2015، وتراجع التصنيع، واتساع الفجوة بين النخب في المدن وبقية المجتمع.
لكن التحول في ألمانيا يبدو أكثر وضوحاً، إذ ارتفعت حصة حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني من نحو 5% عند تأسيسه عام 2013 إلى أكثر من 20% في الانتخابات الأخيرة. ويشير "GZERO Media" إلى أن الغضب من ملف الهجرة كان عاملاً مهماً في هذا الصعود، بعدما استقبلت ألمانيا نحو مليون لاجئ من
الشرق الأوسط عام 2015.
وفي الوقت نفسه، تواجه ألمانيا تباطؤاً في النمو وارتفاعاً في أسعار الوقود وتكاليف المعيشة، إضافة إلى تداعيات الحرب في
أوكرانيا والمنافسة الصناعية المتزايدة من الصين، وهي عوامل زادت الضغوط على الاقتصاد الألماني.
ولم يقتصر تراجع الوسط على صعود اليمين، إذ حقق حزب "دي لينكه" اليساري نحو 26% في انتخابات برلين الشهر الماضي، مستفيداً من حالة الاستياء بين الشباب الألمان من الأحزاب التقليدية، بينما حل الاتحاد المسيحي الديمقراطي في المرتبة التالية بنحو 19%.
ويرى التقرير أن نتائج انتخابات الولايات لا تحدد مباشرة السياسة الخارجية
الألمانية، لكنّها تضعف حكومة المستشار فريدريش ميرتس وتمنح "البديل من أجل ألمانيا" وقتاً إضافياً لدفع أجندته، التي تشمل ترحيل أعداد كبيرة من المهاجرين، وتوثيق العلاقات مع
روسيا، وإنهاء الدعم لأوكرانيا، والتشكيك في
الاتحاد الأوروبي.
كما تعيد هذه النتائج الضغط على ما يُعرف في ألمانيا بـ"الجدار الناري" السياسي، وهو المبدأ الذي ترفض بموجبه الأحزاب الرئيسية التعاون مع "البديل من أجل ألمانيا".
وبحسب التقرير، فإن تراجع الوسط السياسي الألماني لا يقتصر تأثيره على الداخل، إذ تلعب برلين دوراً متزايداً في الدفاع
الأوروبي في ظل المخاوف من روسيا. كما تواجه فرنسا وإيطاليا بدورهما صعوداً لقوى من اليمين، ما يزيد تعقيد المشهد السياسي الأوروبي.
ويحذر "GZERO Media" من أن استمرار ضعف الوسط السياسي في ألمانيا وأوروبا قد تكون له تداعيات على قدرة الاتحاد الأوروبي، وكذلك على الدعم الأوروبي لأوكرانيا، في مرحلة تشهد أصلاً ضغوطاً متزايدة على الحكومات التقليدية.