في الأيام الماضية، برز تحول لافت في خطاب
رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ بدت نبرته أكثر حدّة وصلابة مما اعتاد عليه اللبنانيون خلال الاشهر الأخيرة. فمنذ انتهاء الحرب، كان
بري من أبرز دعاة التهدئة والتسويات، حيث اعتمد سياسة تدوير الزوايا وتقديم التنازلات سعياً للحفاظ على الاستقرار وتفادي الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
هذه المقاربة ميّزت رؤيته عن رؤية
حزب الله الذي غالبًا ما كان يميل إلى الخطاب الأكثر تشدداً.
لكن هذا المسار تغيّر فجأة. فالمتابعون لمسار مواقف بري يلاحظون أنه شعر بصدمة كبيرة نتيجة التراجع الأميركي عن الوعود التي كان قد تلقاها، والتي أعطت انطباعاً بأن التهدئة ممكنة إذا قدّم
لبنان سلسلة من التنازلات. هذا التراجع لم يقتصر على إسقاط الرهان على وعود خارجية، بل انعكس أيضاً في الحسابات الداخلية، حيث بدا أن بري فقد الثقة بجدوى الانخراط في تسويات غير مضمونة النتائج.
الأولوية التي حملها بري في المرحلة الماضية، والمتمثلة بعودة الجنوبيين إلى منازلهم، اصطدمت بجدار التعنت
الإسرائيلي الذي رفض أي مقاربة تُخفف من معاناة الأهالي. ومع ذلك، لم تتوقف خيبة أمله عند حدود الموقف الخارجي، بل امتدت إلى الداخل اللبناني. فقد شعر بري بأن من عمل على إرضائهم وتوفير الغطاء لهم، وتحديداً رئيسي الجمهورية والحكومة، لم يبادلونه الموقف نفسه. الدليل الأوضح كان إقرار الخطة الحكومية في غياب الوزراء
الشيعة، وهو ما اعتبره رسالة سياسية موجّهة إليه شخصياً.
هذا الواقع دفع بري إلى إعادة تقييم خياراته. فالمخاطر التي تلوح في الأفق، بدءاً من التطورات المقلقة في السويداء وصولاً إلى احتمالات التصعيد جنوب الليطاني، باتت في نظره غير قابلة للتفادي بمجرد الدعوة إلى التهدئة. بل إن مقاربة جديدة تقوم على الحسم والحزم قد تكون أكثر واقعية في هذه المرحلة. وهنا يطرح السؤال: هل سيكون بري في موقع المواجهة السياسية في المرحلة المقبلة؟
ما قد يفسر هذا التحول هو وصول معلومات إلى بري حول إعادة ترميم حزب الله لقدراته بعد الحرب، بما يتيح له مساحة أوسع للمناورة. هذا المعطى، إذا صح، قد يكون عنصراً أساسياً في تشجيع
بري على رفع سقف خطابه، بعدما كان يعتبر نفسه مضطراً إلى الانحناء أمام عاصفة الضغوط الدولية والإقليمية.