يبدو الأسبوع الأول من عام 2026 مزدحمًا باستحقاقات "مفصلية"، ولعلّ أبرزها جلسة مجلس الوزراء المقرّرة يوم الخميس، والتي يفترض أن تناقش التقرير الرابع لقيادة الجيش بشأن المرحلة الأولى من خطة "حصرية السلاح" جنوب نهر الليطاني. وتشير التوقعات إلى أن التقرير سيثبّت إنجاز هذه المرحلة بما يسمح بإعلان ذلك رسميًا، تمهيدًا للانتقال إلى المرحلة الثانية شمال الليطاني، وتحديدًا في المساحة الواقعة بين مجرى الليطاني ونهر الأوّلي باتجاه الشمال.
تأتي هذه اللحظة السياسية فيما الميدان لا يهدأ. فالتصعيد
الإسرائيلي الذي طاول في الأيام القليلة الأولى من العام الجديد الجنوب والبقاع أعاد رفع منسوب القلق من اتساع دائرة الاشتباك، وربط ذلك بالسياق الإقليمي وبالمناخ السياسي الذي تلا اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي
دونالد ترامب ورئيس الحكومة
الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وما تسرّب عن تشدد إسرائيلي في مقاربة ملف "
حزب الله" وسلاحه، وربما عدم ممانعة أميركية لتوجيه ضربة ضدّه.
وفي ظل استمرار التكهنات حول احتمالات التصعيد وطبيعته وتبعاته، يصبح مشروعًا السؤال عن هامش القرار اللبناني في هذا التوقيت: فهل تتحوّل جلسة الخميس إلى لحظة قرار لبناني مضبوط لبدء المرحلة الثانية شمال الليطاني، أم أن التطورات الميدانية ستضغط لتعديل الأولويات والمهل، أو لتمرير المرحلة الثانية عبر إجراءات أمنية متدرجة من دون إعلان سياسي كبير؟
"إنجاز" جنوب الليطاني وما يكشفه التقرير الرابع
عمليًا، يُفترض أن تُظهر جلسة الخميس صورة أكثر وضوحًا لما بات يُشار إليه بـ"إنجاز جنوب الليطاني". فالدولة تتعامل مع تقرير قيادة الجيش بوصفه مرجعًا رسميًا يترجم ما أُنجز ميدانيًا إلى قرار سياسي يمكن البناء عليه داخليًا وخارجيًا. وبذلك، لا يعود التقرير تفصيلًا إداريًا، بل جوابًا عمليًا ضمنيًا من
الدولة على موجة الضغوط التي تعرّضت لها، ووصلت في مراحل سابقة إلى حدّ التشكيك بقدرة المؤسسات على تنفيذ التزاماتها.
بهذا المعنى، لن تكون الجلسة أمنية صِرفًا، لأن نتائجها السياسية لا تقلّ أهمية عن مضمونها العسكري. غير أن الفاصل بين "الميداني" و"السياسي" بالغ الدقّة، ولا سيما أن أي إعلان "إنجاز" يبقى محكومًا بسياق غير مستقر: الغارات لم تتوقف، والحدود لم تدخل بعد في "روتين" تهدئة، فضلًا عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي في نقاط محددة، ما يجعل اكتمال الانتشار مرتبطًا بمتغيرات لا يملكها
لبنان وحده.
وفي وقت يبدو أن قيادة الجيش تتجنّب ربط المرحلة الثانية بمهل زمنية قد لا تنسجم مع الوقائع على الأرض، يظهر في المقابل ميل سياسي إلى توظيف لحظة المرحلة الأولى للدفع باتجاه المرحلة التالية. وقد بدا ذلك من خلال الحديث الرسيم عن "الجاهزية" للانتقال إلى المرحلة الثانية، وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام خطة دولة تتدرّج بإيقاعها وبأدواتها، أم أمام انتقال يُفرض إيقاعه من الخارج تحت عنوان "حصرية السلاح"؟
تعقيدات المرحلة الثانية وضغوطاتها
حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن المرحلة الثانية مختلفة في طبيعتها عن الأولى. فهي ليست مسألة تقنية تتصل بالانتشار والإجراءات فقط، بل قرار سياسي يحتاج غطاءً داخليًا واسعًا ومسارًا متدرجًا يمنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية. وتتضاعف حساسية ذلك لأن مقاربة "حزب الله" للملف تتحرك ضمن أولويات مختلفة عن مقاربة الدولة، وهو ما عبّر عنه
الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير حين شدد على أولوية وقف العدوان والانسحاب قبل أي نقاش داخلي، مع تأكيد أن "المسيرة مستمرة وأقوى".
وإذا كانت هذه الرسالة تُقرأ سياسيًا بوصفها رفضًا لنقل الملف سريعًا إلى شمال الليطاني تحت سقف زمني ضاغط، فإن الانتقال إلى المرحلة الثانية، في كل الأحوال، يفتح باب اختبار من نوع آخر. فجنوب الليطاني يمكن إدارة تفاصيله بأدوات عسكرية–أمنية أكثر وضوحًا، بينما شماله يمسّ مباشرة بمساحة نفوذ الحزب وبالبيئة وبالمعادلات الداخلية، ما يجعل القرار السياسي هنا أكثر كلفة وأشد حساسية.
إلى ذلك، يبرز تقاطع لا يمكن تجاهله بين التصعيد الميداني وبين ملف "حصرية السلاح": فكلما ارتفع منسوب الحديث عن المرحلة الثانية، ارتفع منسوب الضغط الإسرائيلي بأشكال متعددة من استهدافات وغارات وتهديدات. والضغط هنا ليس تفصيلًا إعلاميًا، بل عامل يؤثر في حسابات الحكومة: هل تُسرّع لإثبات "الالتزام" فتخاطر بفتح اشتباك داخلي، أم تُبطئ لتفادي الانقسام فتُتّهم بالعجز أو بالمماطلة؟
هكذا، تبدو جلسة الخميس اختبارًا مزدوجًا: أن تُقرّ الحكومة بما أنجزه الجيش جنوب الليطاني من دون أن "تبيع" إنجازًا كاملًا فيما الاحتلال باقٍ في نقاط والاعتداءات مستمرة، وأن تضع للمرحلة الثانية إطارًا واقعيًا يوازن بين الغطاء الداخلي وتقوية قدرات الجيش. فما تحتاج إليه الدولة اليوم هو إدارة انتقال محسوب: لا وعود كبيرة ولا مهل خيالية، بل مسار واضح يمنع الميدان من كتابة القرار بدل الحكومة، وهنا بيت القصيد!