شهد
لبنان خلال فترة الأعياد نهاية العام حركة لافتة أعادت شيئاً من الحيوية إلى الشارع والأسواق، بعد أشهر طويلة من الركود والضغوط المعيشية الخانقة. فقد ازدحمت المطاعم والمقاهي، وارتفعت نسب الإشغال الفندقي، ونشطت حركة التسوق والتنقل، في مشهد بدا استثنائياً قياساً بالواقع الاقتصادي المتأزم الذي يرزح تحته البلد منذ سنوات.
هذا الانتعاش، وإن كان موسمياً بطبيعته، ترك أثراً مباشراً على عدد من القطاعات الحيوية، في مقدمها السياحة والخدمات والتجارة، مدفوعاً بعوامل عدة أبرزها عودة أعداد كبيرة من المغتربين لقضاء الأعياد في لبنان، إضافة إلى تدفق محدود للسياح العرب والأجانب، فضلاً عن تحريك الكتلة النقدية بالدولار النقدي في الأسواق
السياحة والخدمات في الواجهة.
قطاع السياحة كان المستفيد الأكبر من هذا الزخم، حيث سجّلت الفنادق نسب إشغال مرتفعة مقارنة بالأشهر السابقة، كما شهدت المطاعم والملاهي الليلية حركة ناشطة، لا سيما في
بيروت والمناطق السياحية. هذا الواقع انعكس مباشرة على العمالة الموسمية وعلى إيرادات المؤسسات، ولو بشكل مؤقت، ما ساهم في ضخ سيولة في الاقتصاد المحلي.
كذلك، انتعشت حركة النقل البري والجوي، وارتفع الطلب على خدمات تأجير السيارات، في مؤشر إضافي على حجم النشاط الاستثنائي الذي رافق فترة الأعياد.
تأثير اقتصادي محدود ولكن ملموس
اقتصادياً، لا يمكن فصل هذا الانتعاش عن طبيعته الظرفية. فالمداخيل التي تحققت ساعدت بعض المؤسسات على تعويض جزء من خسائرها المتراكمة، كما منحت شريحة من العاملين فرصة لتحسين دخلهم في فترة قصيرة. غير أن هذا التحسن لم ينعكس استقراراً اقتصادياً عاماً، في ظل غياب أي إصلاحات بنيوية أو حلول مستدامة للأزمة المالية والنقدية.
ويرى مراقبون أن هذا النشاط يؤكد وجود قدرة كامنة في الاقتصاد
اللبناني على النهوض متى توفرت الظروف السياسية والمالية المناسبة، لكنه في المقابل يسلّط الضوء على هشاشة هذا الانتعاش، المرتبط بالمناسبات وليس بدورة اقتصادية طبيعية.
بين التفاؤل والحذر
وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي رافقت موسم الأعياد، يبقى السؤال الأساسي: هل يشكّل هذا المشهد مقدمة لتعافٍ تدريجي، أم أنه مجرّد فاصل قصير في مسار أزمة طويلة؟ فالمؤشرات الأساسية للاقتصاد، من تضخم وبطالة وتراجع القدرة الشرائية، لا تزال تنذر بتحديات كبيرة، فيما يستمر الغموض السياسي في كبح أي استثمار جدي.
في المحصلة، أعاد موسم الأعياد بعض الأمل إلى اللبنانيين، وأثبت أن البلاد لا تزال قادرة على استقطاب الحياة والإنفاق عند أول فرصة. إلا أن تحويل هذا الانتعاش الظرفي إلى نمو مستدام يبقى رهن ارادة سياسية واضحة، وإصلاحات حقيقية تعيد الثقة المفقودة بالاقتصاد اللبناني وتضعه على سكة التعافي الفعلي.