تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

"الدولة- المجتمع" بدل "الدولة – الحضارة"... تحوّل المعنى في خطاب دمشق

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi

|
Lebanon 24
11-01-2026 | 06:00
A-
A+
Doc-P-1466783-639037206524889629.jpg
Doc-P-1466783-639037206524889629.jpg photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
في سوريا ما بعد سقوط النظام السابق، وفي ظل مرحلة حكم أحمد الشرع، لا يمكن فصل التحوّلات الرمزية عن التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية الأعمق. فالتغيّر الذي طال شكل الخطاب الرسمي، من العملة إلى السياسات الاقتصادية، يبدو جزءًا من محاولة متكاملة لإعادة تعريف الدولة، لا بوصفها وريثة ماضٍ "خالِد"، بل ككيان يسعى إلى النجاة وإعادة بناء شروط العيش بعد حرب مدمّرة امتدت لما يقارب خمسة عشر عامًا.

أحد أكثر هذه التحوّلات دلالة كان الابتعاد شبه الكامل عن صور الآثار والمعالم التاريخية في الفضاء الرمزي الرسمي، ولا سيما على العملة، مقابل اعتماد رموز الطبيعة والزراعة. هذا الخيار لا يمكن قراءته كتفصيل جمالي أو تقني، بل كقرار سياسي واعٍ في لحظة شديدة الحساسية داخليًا وخارجيًا.

فالآثار التي شكّلت لعقود ركيزة الهوية الرسمية للدولة السورية، من تدمر إلى الجامع الأموي، تحوّلت خلال الحرب من مصدر شرعنة إلى عبء رمزي ثقيل، مرتبط بالدمار والنهب والاتجار غير المشروع، وبملفات قانونية دولية لم تُقفل بعد. في هذا السياق، يصبح استبعادها من العملة قرارًا مفهومًا، إذ إن العملة رسالة يومية متداولة، وإعادة استحضار هذه الرموز تعني استدعاء ذاكرة الصراع والانقسام بدل طيّها.

في المقابل، تبدو الطبيعة مساحة رمزية "نظيفة"، غير متورّطة في النزاع، ولا تحمل حمولة أيديولوجية أو دموية. القمح والزيتون والقطن والعنب ليست مجرد عناصر حيادية، بل استعارات مباشرة عن الأمن الغذائي، والصبر، والتجذّر في الأرض، والاقتصاد الريفي الذي كان يشكّل عماد المجتمع السوري قبل أن تمزّقه الحرب.

هنا تنتقل الدولة في تعريف ذاتها من نموذج "الدولة–الحضارة" التي تستمد شرعيتها من الماضي البعيد، إلى نموذج "الدولة–المجتمع" المرتبط بالإنتاج والعمل والعيش اليومي.

في هذا السياق، جاء إطلاق عملية استبدال العملة كترجمة عملية لهذا التحوّل الرمزي. فقد أكّد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن عملية الاستبدال إجراء تقني مجاني لا يؤثر في القيمة الحقيقية للعملة أو في سعر الصرف، موضحًا أن الفئات الجديدة ستتراوح بين 5 و500 ليرة، مع تصاميم تركز على المنتجات الزراعية مثل التوت والبرتقال والزيتون والقمح، بعيدًا عن صور الأفراد أو الرموز السياسية.

وأعلن المصرف المركزي، الانطلاق الفعلي لعملية الاستبدال بعد تحضيرات استمرت أشهر، على أن تمتد 90 يومًا قابلة للتمديد، وتشمل آلاف المنافذ، إلى جانب التحويل التلقائي للحسابات المصرفية.

وتهدف هذه الخطوة إلى تسهيل التعامل النقدي اليومي وتشجيع العودة إلى استخدام الليرة، رغم تساؤلات يطرحها خبراء حول قدرتها الفعلية على استعادة الثقة في ظل التضخم الموروث وتعقيدات التنفيذ على الأرض.

هذا التحوّل الرمزي يتقاطع بوضوح مع المسار الاقتصادي الذي طبع العام الأول بعد سقوط النظام السابق. فقد هيمنت الأوضاع المعيشية على اهتمامات السوريين، ورافقت الأيام الأولى من التحوّل السياسي قرارات اقتصادية قاسية طالت شريحة واسعة من المجتمع. ورغم ذلك، ظلّ الأمل حاضرًا بإمكانية وقف التدهور المستمر منذ سنوات، وتحقيق انفراج نسبي على مستوى الدخول والأسعار.

عام 2025 مثّل بداية تحوّلات جذرية في بنية الاقتصاد السوري التي تشكّلت على مدى أكثر من ستة عقود. بعض هذه التحوّلات جاء بنتائج سلبية مباشرة، ولا سيما تحرير أسعار السلع المدعومة ورفع أسعار المشتقات النفطية وتسعيرها وفق السعر العالمي، ما أدى إلى ارتفاع كلف الإنتاج وامتصاص أي تحسّن ظرفي في سعر الصرف.

ورافق ذلك تسريح واسع لموظفين في مؤسسات الدولة، شمل الجيش والأجهزة الأمنية السابقة وقطاعات مدنية مختلفة، تحت عناوين المحاسبة أو إعادة الهيكلة، ما رفع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة قاربت عتبة الستين في المئة.

زادت الأوضاع الأمنية في بعض المناطق، ولا سيما الساحل والسويداء وحمص وحماة، من حدّة الضائقة الاقتصادية، بعدما فقد كثيرون مصادر دخلهم أو معيلهم، لتُضاف الجراح الاجتماعية إلى الانهيار الاقتصادي.

وفي محاولة لاحتواء الاحتقان الشعبي، أقدمت الإدارة الجديدة على زيادة الرواتب والأجور بنسبة 200 في المئة، فارتفع متوسط الدخل إلى نحو 90 دولارًا، وهو تحسّن نسبي لكنه بقي بعيدًا عن تلبية الحاجات الأساسية في ظل الأسعار المرتفعة.

الرهان الأكبر، اقتصاديًا وسياسيًا، تمثّل في الإعلان عن مذكرات تفاهم لمشروعات عقارية وسياحية وخدمية بقيمة تقديرية بلغت 27 مليار دولار. ورغم الجدل حول جدية بعض الشركات، فإن المعطيات المتداولة تشير إلى وجود قرار سياسي لدى دول إقليمية، ولا سيما السعودية وقطر وتركيا، بالانخراط في الاستثمار داخل سوريا، ولو بشكل تدريجي وحذر.

هذه الاستثمارات، خصوصًا في المرافئ والمطارات والطاقة والعقارات، تعكس استعدادًا للمخاطرة في بلد ما زال يفتقر إلى الاستقرار الكامل، لكنها في الوقت نفسه تفتح نافذة أمل لإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد.

وجاء القرار الأميركي بإلغاء العمل بقانون "قيصر" قبيل نهاية العام ليشكّل نقطة تحوّل مفصلية. فالقانون الذي كان أحد أكثر العقوبات قسوة في التاريخ الحديث، ساهم في خنق الاقتصاد السوري وتعميق معاناة ملايين المواطنين.

ورغم أن رفعه لن يمحو آثاره بين ليلة وضحاها، فإنه يفتح الباب أمام إعادة دمج تدريجية للاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي والدولي.

في هذا الإطار، تبدو الرمزية الجديدة التي تعتمدها الدولة، من العملة إلى الخطاب العام، متسقة مع توجه أوسع لتفكيك النموذج السلطوي التقليدي. فالأنظمة الصلبة تستحضر التاريخ والآثار لتكريس فكرة الخلود والاستمرارية، بينما تميل السلطات الانتقالية إلى رموز الحياة والنمو والتجدّد. فالدولة تُعرَّف بما تُنتج وتُطعم وتُشغّل، لا بما تستعرضه من أمجاد تاريخية.

يبقى أن العام الجديد سيكون عام الحسم الحقيقي. فنجاح التحوّل السياسي مرهون بقدرته على تحسين حياة السوريين، وهو ما يتطلب انتقالًا فعليًا من عقلية "الجماعة" إلى عقلية الدولة، وإعادة تشغيل الإنتاج المحلي، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمارات الصغيرة والمتوسطة، ورفع الأجور بما يردم الفجوة مع الأسعار، إضافة إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وبناء شبكات حماية اجتماعية فعّالة.
من دون ذلك، ستبقى الرموز، مهما كانت ذكية أو أقل انقسامًا، عاجزة عن إخفاء عمق الأزمة.

في المحصلة، ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد تغيير في الصور أو السياسات، بل محاولة لإعادة بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع. بلدٌ أنهكته الحرب لم يعد يبحث عن ماضيه بقدر ما يبحث عن إمكانية العيش من جديد، بين حقل قمح، وشجرة زيتون، وأمل هشّ بأن يكون المستقبل أقل قسوة من كل ما مضى.
Advertisement
المصدر: خاص لبنان 24
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك

مهدي ياغي - Mahdi Yaghi