تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

لبنان

الاحتجاجات الإيرانية بين خيار الضغط الأميركي وحدود التصعيد

هتاف دهام - Hitaf Daham

|
Lebanon 24
12-01-2026 | 03:00
A-
A+
Doc-P-1467221-639038043931167007.webp
Doc-P-1467221-639038043931167007.webp photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
تشهد إيران منذ أسابيع موجة احتجاجات متصاعدة جاءت في سياق أزمة اقتصادية ومعيشية عميقة، تفاقمت بفعل تراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، واضطراب الأسواق، الأمر الذي أثّر مباشرة في مستوى معيشة المواطنين وأشعل حالة من الغضب الاجتماعي. وقد بدأت هذه الاحتجاجات في الأسواق والمراكز التجارية قبل أن تمتد تدريجيا إلى مدن ومحافظات مختلفة، لتأخذ طابعا أوسع تجاوز المطالب الاقتصادية إلى شعارات سياسية تعبّر عن حالة احتقان عام. ومع ازدياد حدّة المواجهات وسقوط ضحايا من المتظاهرين وقوات الأمن، إضافة إلى القيود المفروضة على الإنترنت وتدفق المعلومات، أصبح المشهد الداخلي الإيراني أكثر تعقيدًا وضبابية، ما دفع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، إلى متابعة التطورات باهتمام بالغ.
من المنظور الأميركي، تقرأ هذه الاحتجاجات باعتبارها لحظة استراتيجية نادرة قد تفتح المجال أمام تحولات سياسية أوسع داخل إيران، وهو ما ينعكس في خطاب واشنطن الداعم لحق المواطنين في الاحتجاج السلمي والمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية والسياسية. وترى الإدارة الأميركية أن الاستجابة لمطالب الشعوب تشكّل أساس الاستقرار طويل المدى، وأن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي لضمان الهدوء الداخلي. لذلك حرصت على توجيه رسائل سياسية تحذّر من الإفراط في استخدام القوة، وتؤكد استعدادها لممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية إذا تدهورت الأوضاع الإنسانية. وفي الوقت نفسه، تنظر الولايات المتحدة إلى ما يجري في إيران ضمن إطار حسابات إقليمية أوسع، ترتبط بأمن الشرق الأوسط، وحماية حلفائها، وضمان حرية الملاحة واستقرار أسواق الطاقة، إضافة إلى ملف النفوذ الإقليمي والتوازنات العسكرية.
كما ترى واشنطن أن أي تغيير إيجابي في الداخل الإيراني قد ينعكس على مجمل سياسات طهران الخارجية، سواء في ملفات التوتر الإقليمي أو العلاقات مع المجتمع الدولي، وهو ما يفسر اهتمامها الكبير بتطور مسار الاحتجاجات. وتُفضّل الإدارة الأميركية، وفق هذا التصور، توظيف أدوات الضغط السياسي والإعلامي والدبلوماسي بدل الانخراط في مواجهة مباشرة، إدراكًا منها لحساسية المنطقة وكلفة التصعيد العسكري. وتسعى كذلك إلى إبقاء خياراتها مفتوحة، بحيث توازن بين دعم المطالب الشعبية من جهة، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق الأوضاع إلى فوضى واسعة من جهة أخرى.وفي هذا الإطار، أفادت وسائل إعلام أميركية بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس بجدية تفويضًا لشن هجوم على إيران في ظل استمرار الاحتجاجات هناك. ونقلت بلومبيرغ ووول ستريت جورنال أن ترامب اطّلع على مجموعة من الخيارات، تشمل ضربات عسكرية، وهجمات إلكترونية، وتشديد العقوبات، ودعم قوى معارضة عبر الإنترنت، مع عقد اجتماع رفيع المستوى لمناقشة هذه السيناريوهات. وأكد مسؤولون أن معظم الخيارات المطروحة حاليًا غير عسكرية، مع وجود مخاوف من أن يؤدي أي تدخل مباشر إلى خدمة دعاية النظام الإيراني. كما أشار موقع أكسيوس إلى أن جميع الخيارات لا تزال مفتوحة دون اتخاذ قرار نهائي، فيما صرّح ترامب بأن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الإيرانيين في سعيهم للحرية.


في المقابل، تنطلق الرؤية الإيرانية من الإقرار بوجود مشكلات اقتصادية داخلية متراكمة تتطلب حلولًا جدية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن بعض القوى الخارجية تحاول استثمار الاحتجاجات للتأثير في القرار السيادي وإضعاف الاستقرار الوطني. وتشدد السلطات على حق التعبير السلمي، مقابل رفضها لأعمال العنف والتخريب، وتؤكد ضرورة حماية الأمن العام والمؤسسات الحيوية. كما تحاول الحكومة اعتماد خطاب أكثر انفتاحًا عبر الدعوة إلى الحوار مع بعض الفئات الاجتماعية، واتخاذ إجراءات اقتصادية تهدف إلى تخفيف حدة الضغوط المعيشية، في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع توسعها.
وفي هذا السياق، تشير التقديرات الإيرانية إلى أن موجة الاحتجاجات الحالية، رغم حساسيتها، تبقى أضيق نطاقًا وأقل اتساعًا مقارنة بالتظاهرات التي شهدتها البلاد عامي 2019 و2022، سواء من حيث الانتشار الجغرافي أو مستوى التعبئة الشعبية. كما يلاحظ غياب شخصيات سياسية أو اجتماعية إيرانية بارزة أعلنت حتى الآن دعمها العلني أو مشاركتها المباشرة في هذه التحركات، ما يحدّ من قدرتها على التحول إلى حركة وطنية جامعة ذات قيادة واضحة.
ميدانيًا، تتركّز المشاركة الأكبر في بعض المدن الصغيرة بمحافظتي لورستان وعيلام، حيث يغلب الطابع الكردي والعشائري، وهو ما ترى فيه طهران قابلية لاستثمار بعض التنظيمات لهذه الخصوصية المحلية، ولا سيما حزب كومله الكردي اليساري المنشق عن الحزب الشيوعي الإيراني، والذي يمتلك قواعد ومراكز في إقليم كردستان العراق. ويعزّز هذا التقدير ما أعلنته الأجهزة الأمنية في تموز 2025 عن توقيف نحو 90 شخصًا في محافظة لورستان بتهم تتعلق بالتعامل مع جهات خارجية.
وفي البعد الإقليمي والدولي، تتابع طهران باهتمام التقديرات الأميركية والإسرائيلية، حيث يظهر داخل إسرائيل تباين بين مستوى سياسي يدعو بعضه إلى تدخل مباشر في تطورات الداخل الإيراني، ومستوى أمني لا يرى أن الأحداث الراهنة تشكل تهديدا جوهريا لاستقرار النظام. كما يرتبط هذا الترقب بإمكانية اتساع رقعة الاحتجاجات أو بقائها ضمن دائرتها المحدودة الحالية، وعلى هذا الأساس تتحدد طبيعة الخطوات الممكنة.
وتؤكد القراءة الإيرانية، في المقابل، عدم جواز الاستهانة بالقاعدة الاجتماعية والسياسية المؤيدة للنظام، باعتبارها عنصرا أساسيا في معادلة الاستقرار الداخلي، إلى جانب استمرار الدولة في اعتماد أدوات سياسية واقتصادية وأمنية محسوبة لاحتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع إلى مسارات أكثر حدة.
وبين المقاربتين الأميركية والإيرانية، تتضح طبيعة المشهد المركّب الذي تتداخل فيه المطالب الاجتماعية المشروعة مع الحسابات السياسية الدولية. فمستقبل الوضع في إيران سيظل مرهونا بمدى نجاح الإصلاحات الداخلية في استعادة الثقة والتهدئة، وبحدود تأثير الضغوط الخارجية في توجيه المسار السياسي، إضافة إلى قدرة الأطراف المختلفة على تجنّب التصعيد والانزلاق إلى صدامات أوسع. وعليه، يبقى هذا الملف مفتوحا على احتمالات متعددة.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك
Author

هتاف دهام - Hitaf Daham