لا يمكن قراءة تصريحات
وزير الخارجية يوسف رجّي الأخيرة بمعزل عن سؤال يتجاوز مضمونها المباشر ويتصل بموقع الحكومة السياسي في لحظة عدوان اسرائيلي مفتوح. فالمسألة لا تتعلق بموقف أو توصيف قابل للأخذ والرد، بل بالاتجاه الذي يختاره الخطاب الرسمي، وبالجهة التي يقرّر مخاطبتها بلهجة صارمة ومباشرة، فيدمقابل جهة أخرى تُستثنى عملياً من أي ضغط سياسي، رغم كونها الطرف الذي يواصل الاعتداء وفرض الوقائع بالقوة. هذا الخلل في توجيه الخطاب يكشف مقاربة سياسية كاملة تضع ثقلها في الداخل، وتتعامل مع العدو الاسرائيلي وكأنه خارج دائرة الاشتباك.
من حيث المبدأ، يمكن تفهّم حرص الحكومة على اعتماد نبرة محسوبة وخطاب مضبوط، يهدف إلى تفادي توسيع رقعة المواجهة وعدم دفع
لبنان نحو حرب شاملة لا يملك أدواتها ولا مقوماتها، إذ يبدو هذا الحرص مفهوماً في بلد منهك ومكشوف ويعاني من اختلالات عميقة على اكثر من مستوى. غير أنّ الإشكالية تبدأ حين ينقلب هذا الحرص إلى ضغط سياسي يُمارَس في اتجاه واحد داخل البلاد، بينما يُستبعد العدو
الإسرائيلي من أي مواجهة سياسية او اعلامية مباشرة، على الرغم من استمرار الاعتداءات والخروقات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار.
ولعلّ الإقرار بأن
إسرائيل خرجت متفوّقة عسكرياً في الجولة الأخيرة قد يندرج في إطار توصيف ميزان القوة، لكن تحويل هذا التوصيف إلى منطق سياسي فجّ في كلام وزير الخارجية ينطوي على دلالات بالغة الخطورة. فالدولة، حتى في لحظات الضعف أو انعدام التوازن، لا يُفترض أن تعتمد خطاب المنتصر والمهزوم، ولا أن تكرّس سردية العدو على حساب موقعها السيادي. ذلك لأنّ وظيفة الخطاب الرسمي لا تقوم على تسويق موازين القوة، بل على حماية الحقوق وتثبيت مسؤولية المعتدي، ورفع الكلفة السياسية لأي خرق أو عدوان.
هنا تحديداً، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تعكس هذه المواقف توجّه
الحكومة اللبنانية، أم تعبّر عن خيار سياسي حزبي جرى إدخاله إلى موقع الدولة؟ فوزير الخارجية ليس منفصلاً عن خلفيته السياسية، وخطاب الجهة التي ينتمي إليها معروف تاريخياً في مقاربته لملف
المقاومة والسلاح، ولا سيما في هذه المرحلة الحسّاسة، الأمر الذي يجعل الإشكالية أبعد من مجرّد اختلاف سياسي، إذ لا تكمن المشكلة في تبنّي هذا الموقف بحدّ ذاته، بل في تحويله إلى جزء من الخطاب الرسمي للدولة، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى أقصى درجات التماسك، لا إلى إعادة فتح خطوط الانقسام من موقع السلطة.
الأخطر أن هذا النوع من الخطاب، حتى لو قُدّم تحت عنوان "الواقعية"، يساهم عملياً في تعميق الشرخ بين اللبنانيين. فحين يشعر جزء من الداخل بأن الدولة تخاطبه بمنطق الاتهام والمساءلة، فيما تُحجم عن مخاطبة العدو بالحدّ الأدنى من الصرامة، يتحوّل الخطاب من أداة لإدارة الأزمة إلى عامل توتير إضافي. وهنا، لا يعود
النقاش حول الحرب أو السلم فقط، بل حول عدالة الخطاب نفسه وتوازنه.
لبنان اليوم لا يواجه أزمات سياسية واقتصادية متراكمة وحسب، بل يقف تحت ضغط عدوان إسرائيلي مستمر وخروقات يومية واحتمال دائم لانفجار
الجبهة في أي لحظة. وأمام هذا المشهد، يصبح من الطبيعي أن يكون الخطاب الرسمي مُطالباً برفع سقفه في مواجهة العدو، أو على الأقل بالحفاظ على توازن واضح بين الداخل والخارج. غير أنّ تشديد النبرة في الداخل، مقابل تحييد إسرائيل سياسياً واعلامياً لا يوفّر حماية للبلاد، بل يضعف موقعها التفاوضي ويهز ثقة شريحة من اللبنانيين بدور دولتهم في الدفاع عنهم. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في السعي إلى تجنيب لبنان الحرب، بل في كيفية إدارة هذا الهدف سياسياً وإعلامياً؛ فالتوازن لا يعني الصمت عن العدوان، والحرص لا يبرّر تحميل الداخل وحده كلفة الصراع. وبين خطاب الدولة وخطاب الأحزاب، يبقى خط دقيق، إذا لم يُحَسن ضبطه، تحوّل موقع
وزارة الخارجية من مساحة تمثيل وطني إلى ساحة اشتباك داخلي مفتوح.